Jun 4 • د. أحنف الجاجة

من يتحدث داخل رأسك! الجزء الثاني

كلمات في السكينة، الحب، الجمال، تذكّرك بذاتك وفطرتك

قبل أن تكمل القراءة،
 خذ لحظة صمت، تأمل الفراغ أمامك لعشر ثوان بصمت ما الذي حدث في تلك اللحظات؟ غالبا لم يصمت داخلك تماماً، بل كان هناك صوت يقول مثال ما الهدف من هذا التمرين؟ أو يعلّق لنكمل القراءة… أو أي فكرة تتجول في رأسك، سؤالي لك: هذا الصوت، من هو؟

إن الفهم الجوهري الذي قد يغير حياتك هو أن هذا الصوت ليس أنت. لقد اعتدنا أن نتماهى مع ما يدور في أذهاننا من حوارات، مقارنات، أحكام على أنفسنا وعلى الآخرين معتقدات مخططات، ذكريات… ونسينا أننا لسنا هذه الأفكار التي نراها ندركها، نشاهدها، نراقبها. بل نحن في حقيقتنا ذلك الوعي الذي يُدرِك، وتُرى بنوره تلك الأفكار، ويسمح لكلُ الأفكار بالظهور والمرور والاختفاء دون تفريق بين فكرة وأُخرى . هناك فرق شاسع بين الأفكار التي تُدرَك (بفتح الراء)، والوعي الذي يُدرِك (بكسر الراء) أنت يا صديق لست الأفكار، أنت الوعي الذي يراقب كل شيء بصمت وهدوء ونور وسماحة.

هي الحقيقة الصادمة والمحررة في آن واحد أنت لست أفكارك. أنت لست القصة التي يرويها هذا الصوت عنك وعن العالم، أنت لست أفكار الخوف، ولا حتى أفكار الطموح والإنجاز، أنت لست أحكامك، ولا أفكار الشعور بالذنب هذه كلها مجر د غيوم عابرة في سماء وعيك الصافي.

أنت السماء، ولست الغيوم يا قلب. عندما تدرك هذا، تبدأ اللعبة كلها بالتغير. وتبدأ نظرتك للعالم الحق تتكشف شيئا فشيئا، ويبدأ تحررك الحقيقي، لم تعد سجيناً في قفص هذا المعلق الداخلي، بل أصبحت تدرك أنك الفضاء الذي يسمح للأفكار بالظهور والاختفاء بحرية تامة وتقبل كامل.

جرّب مرّة أ خرى… لنصف دقيقة فقط، اجلس بهدوء وأغمض عينيك وراقب تلك الأفكار كما تراقب السيارات في الشارع، تظهر وتختفي، تظهر بلا استئذان، وتختفي بلا استئذان راقبها بعفوية وسماح تام، ثم لاحظ كيف أنها تبدأ لوحدها بالهدوء، لاحظ أنك ذلك الوجود الواعي، المراقب الصامت، الواسع والحقيقي الذي تسبح فيه الأفكار بحرية ثم تتلاشى بهدوء. 

ما تدركه في هذه اللحظات هو بداية الطريق نحو السعادة الحقيقية، ما فهمته الآن ليس فكرة فلسفية بل تجربة شخصية وتذوق حي حقيقي أدعوك لتكراره باسترخاء تام وهدوء كامل لتبدأ باكتشاف جوهرك وحقيقتك خلف ضجيج العقل.

هذه بداية عودتك إلى منزلك، مأواك الذي لم تغادره قط، إلا أنك نسيت.