Jun 5 • د. أحنف الجاجة

أوراق الخريف تدعوك لاكتشاف الذات

كلمات في السكينة، الحب، الجمال، تذكّرك بذاتك وفطرتك

أوراق الخريف تدعوك لاكتشاف الذات

تنظر إلى أوراق الخريف تتساقط بعد أن أخذت بالاحمرار، فترسم لوحةً تخطف الأنفاس بجمالها.

تتعرى الأشجار، وتكتسي الأرض ببساط من ورق يجعل الرائي يقول: سبحان الخالق فيما أبدع!

تأمّل للحظة قبل أن يأسر جمال الصورة عقلك: أليس هذا التساقط موتًا؟ 

 أليست تلك السجادة الحمراء الفاخرة أوراقاً فقدت الحياة؟

 أليس تعرّي الأشجار نقصًا وخسارةً لما كانت عليه من نضارة وخضار؟

مع ذلك كله، تحبس اللوحة أنفاسك بجمالها، وتأسر عقلك ببهائها!

تخيل لو كان جلدك يتقشر كل خريف، وأظافرك تتحول إلى اللون الأحمر والأصفر، ويتساقط شعرك تمامًا، ويتعرى رأسك، ويجف لسانك، ويتيبس حلقك؛ هل كنت ستُؤثَر بجمال الصورة، وتأسرُك روعة التساقط والتقشر و التيبس و التعري ، والجفاف؟

ما الفرق بين الصورتين؟ ولماذا تأخذك روعة لا لشجرة وتساقط الأوراق اليابسة، وتعتبرها آية في الإبداع الإلهي؟والجمال الرباني، بينما حين قرأت وصفًا مشابهًا لجسدك، حجبت الصورة وحاولت الإسراع بالقراءة حتى لا تتأذى مشاعرك، وحمدت الله أن هذا ليس ما يحدث.

السبب، يا حبيبي، أنك لم تتماهَ مع تلك الأوراق والأشجار؛ تنظر إليها كموضوع، لا كذات. هذا شيء خارجي تراه بحواسك؛ ليست أنت.لذلك تعتبر دورة الموت والحياة وتجدد الخلق أمرًا طبيعيًا وضروريًا وجميلاً،بشرط أن لا يقترب منك ولا عليك!.

ماذا لو استطعت أن ترى بوضوح أن الجسد ليس أنت بالحقيقة؟ وأن ما تدعوه جسدي ليس لما تقصده حين تقول "أنا"؟ ماذا لو نظرت إلى الجسد على حقيقته، كموضوع لا ذات، وتحررت من التماهي معه؟ ستكتشف حينها حقيقتك التي لا تبلى ولا تموت، والتي لا تنتهي. ستعيش في الحقيقة الأبدية ، وأن الجسد لا يختلف عن تلك الشجرة التي أحببتها ورأيت جمالها في كل حالاتها ، حتى في موتها وتعرّيها وتساقط أوراقها .

هل شعرت يوماً بطيف إدراك أن التماهي مع الجسد نوع من العذاب الفيزيائي والنفسي؟ وأن بإمكانك إنهاء تلك المعاناة ببساطة، بمجرد أن ترى بوضوح أن الجسد ليس ما تقصده عندما تقول (أنا).

هل استيقظت فيك الرغبة في بدء رحلة اكتشاف الذات، ورؤية جوهرك الإنساني بوضوح؟

لعل هذا هو غرض وجودك في هذه الرحلة الأرضية، 

وهي ليست إلا كلمح البصر في رحلتك الأبدية.

التي تبدأ روعتها وال تنتهي عندما تعرف نفسك. (ومن عرف نفسه فقد عرف ربَّه)

لعل هذا ما قصده ربّك حين قال: ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون )؟
Jun 5 • د. أحنف الجاجة

أوراق الخريف تدعوك لاكتشاف الذات

كلمات في السكينة، الحب، الجمال، تذكّرك بذاتك وفطرتك

الإرادة الحرّة أم حرّية الإرادة؟

هل الإنسان مسيّر أم مخيّر ؟

يكثر السؤال في الأوساط الفكرية والدينية عن الإرادة الحرة، وحرية الاختيار، وهل الإنسان (كشخص) مسيّر أم مخيّر؟ وتُعقد المناظرات، وتُكتب المجلدات في محاولة للإجابة عن هذا السؤال. ولا أُخفي عليك أيها القلب الصادق، أنّ هذا التساؤل -وإن بدا للناظرِ يسيراً- كان أشدَّ ما ابتُليتُ به في حياتي منذ أن كان عمري سبعة عشر عاماً، هذا التساؤل هو أطول ما صارعتُ في ظلمات النفس. ثلاثون سنةً وأنا أتقلّب على جمر هذا التساؤل:

الحرف والنفس: مثالٌ من عالم الشاهدة

تأمل، رعاك ﷲ، في هذا النطق العميق الذي وھبك إياه الخالق. ما هي الكلمات التي تنطق؟ إنها مركبة من حروف. وما هي الحروف؟ إنها أصوات. وما هي الأصوات في الحقيقة؟ إنها أنفاس من الهواء!


نعم، هو هواء واحد (نفس) يخرج من جوفك، مخرج على مخارج متعددة في ديلوكس ولسان وشفتين، يؤدى إلى نتيجة دائمة بشكل مختلف نسمیھا “حروفاً”. النفس الواحدة هي وجوهره، ولكن یتنوع في ظاهره وتجلیه.
لولا هذا النفس، لما كان للحرف وجود. فالحرف لا یملك وجوداً مستقلاً بذاته، ولكن وجوده مُقَدَّرٌ افتراضيّ، یظھر باصطدام الھواء بالمخرج، وی يبقى مجرد تجاوزه. ظھوره هو عین زواله.

الكل كله كلمات الله

لآن، ارفع بصرك من عالم الشهدة إلى عالم الغيب، ومن نَفَس الإنسان إلى “نفس الرحمن”


إن الوجود كله هو “نَفَسُ الرَّحْمَنُ” (وهو الحق به). علاقة كل موجود بالله، ھي كلها علاقة الحرف بالمتكلّم.
كنه كل الحروف هو النفس، وكنه كل موجود هو الحق سبحانه وتعالى. ليس لأي مكان موجود في هذا الكون وجوده مستقل. المخلوقات كلھا كالأمواج على سطح المحیط، تظھر وتختفي، لكن حقیقتھا وجوهرها هو ماء المحیط
فالعالم كله هو “ كلمات الله “. كما تتشكل الحروف لتصنع كلمات، والكلمات لتصنع معاني، وكذلك تتشكل الموجودات لتظھر حكمة الله وصفاته وفعاله.


‏‎الوعي المحض: كامل الذي یظھر الوجود
تأمل في عالمك الداخلي وجوهك العميقة: ما الذي یفصل بین فكرة وفكرة؟ ما الذي تفصيله وتفاصيل؟ بین الإحساس والإحساس؟
إنه “الوعي المحض”. الوجود المحض اللامحدود. النفس الرحماني اللانهائية. كما أن لولا كاملة والصمت بهذه الحروف والكلمات، لما تم حرفه عن حرف، وتذكر الكلمات ضجيجاً لا معنى له؛ وكذلك لولا الحق، والوعي المحض، لما سلوك ولا تتنقلت الموجودات.
الأفكار، المشاعر، الآلاسيس، والإدراك… كلھا العالم تظھر في مساحة الوعي. الوعي موجود ذاتياً، أمة الفكرة (الحرف) فوجودھا مُقَدَّرٌ وافتراضي، لكن فور ظھورها. ودعمها معنا من تباينها عن فكرة أخرى في مجال الوعي.

الخلق الجدید: اللحظة الحاسمة:

من أسرار هذا الفھم، إدراك حقيقة “الزمن” و”الخلق”. يتفقد بربھا كعلاقة الحروف بالمتكلم. المتكلم ینطق الحرف، فیظھر وی الناشئة في ذات الآن. لا تتواى إلا في الكتابة (في وهم الذاكرة)، أما في الحقيقة الصوتية، فإن حرفاً أو تحل محل كل ذلك.
وكذلك الوجود. كل شيء یحدث "الآن"، ویُخلق "الآن"، وی أكد "الآن". الإبداع فَرَضٌ مُقَدَّر (إلا مثل لعبة فيدیو الاعتمادية)، الزمن نفسه لیس إلا نسبة لا خاصة، حرف من الحروف، لا حقیقة له في وھم الأعضاء الذي یضبط بالذاكرة.
الوجود یظھر متالياً الداعي لأن ﷲ هو “مظھِرُ الأشیاء”، خلقھا من الجدید في كل ذلك. أفكارنا الجديدة في كل ذلك، ومشاعرنا، وفعالنا. نحن لا نملك الفكرة، ولا الشعور، ولا الفعل. نحن ساحة (مرآة) یتجلى فیھا فعل الخالق.
وهذا هو معنى: ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِیدٍ ) [ق: 15]. الخلق، یتجدد في كل ومضة عین بل بلا زمن، حتى ومضة العین زمن تحتاج، أما الآن لا تقضي لا تقضي وقتًا.
النطق ومنازل الكون بعمق:
ولس لا عبأ أن يكون النطق العميق مبنياً على 28 حرفاً. العارفون یرون في هذا تطابقاً عجیباً مع منازل القمر الـ 28، والأفلاك التي تتولد بحركتھا كل الموجودات. الإنسان هو الكون الصغیر، والكون هو الإنسان الكبیر. وكلاھما یتكلم بكلمات ﷲ.
إذا توصلت إلى هذا الهدف في قلبك، أدركت السرّ: ( فَوَرَبّ َلسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَمَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) [الذاريات: 23]. فالوجود حق، وعلاقته سبحانه وتعالى حكمكم بأنفاسكم.
وأدركت معنى جل جلاله: ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي اَلْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ ).
(الحلقت 53).
فالآفاق (الكون) والأنفس (الإنسان) كلھما آيات (كلمات) تدل على أن المتكلم واحد، وأن النَفَس واحد، وأن الحق واحد.

‎{ قل لاو كان البحر مدادًا لِكلمَات ربِّي، لَنفِد البحْر قَبْل أن تَنفَد كلمات ربِّي، ولو جِئْنَا بِمثْله مددًا }