Jun 5 • د. أحنف الجاجة

تأمل في تجربة توم كروز …. ما الذي يجعل العمل متعة؟

كلمات في السكينة، الحب، الجمال، تذكّرك بذاتك وفطرتك

تأمل في تجربة توم كروز …. ما الذي يجعل العمل متعة؟

اليوم وقفت عند لقاء لفتني كثيرًا… مقابلة مع الممثل العالمي “توم كروز”.

ولا شك أنه من أكثر الأشخاص شهرة وتأثيرًا، ونجاحًا في مجاله، محبوب من أجيال مختلفة، ويمتلك ثروة هائلة، لكنه قال شيئًا هزّ قلبي.

قال: “أنا لا أملك أيام عطلة… أعمل سبعة أيام في الأسبوع، وأستيقظ كل يوم في الساعة الرابعة أو الخامسة صباحًا”.

تخيّل! هذا الكلام قاله قبل حوالي سنة، وكان عمره حينها نحو ٦٠ سنة! في الوقت الذي يخطط فيه معظم الناس للتقاعد والراحة، هو يقول بهدوء إنه لا يتوقف عن العمل.

طبعًا، عندما قرأته لأول مرة، صُدمت. قلت: هل هذا هو النجاح؟ هل يعني أن العمل بلا عطلة هو الطريق؟

هل يعقل أن شخصًا في هذا العمر، ومعه ثروة تكفيه لعيش مئات الحيوات، ما زال يستيقظ قبل الفجر ليعمل؟ لكن المفاجأة كانت في الجملة التالية: لا أعتبر ما أقوم به عملًا… أنا أعيش حلمي. أنا أعيش العطلة.

أعدت قراءتها أكثر من 20 مرة… وشاهدت المقابلة على يوتيوب فقط لأتأكد: هل قالها فعلاً؟ نعم… قالها وهو يبتسم بصدق لا يُشترى.

السر ليس في العمل، بل في النظرة إلى العمل. ما يفعله توم كروز، فعليًا، ليس سحرًا، بل هو فقط يعيش من الداخل، لا من الخارج.

لا يتحرك ليصل، بل لأنه في جوهره قد وصل.

هذه هي فلسفة الناجحين العظماء، بل هي روح التوحيد في حياة العاملين.

نتحرّك لله، لا لهدف خارجي فقط.

أن تسعى لأنك ممتلئ بالمعنى، لا لأنك خائف من الفشل. ﴿قُلْ كُلٌّ من عندِ الله﴾ (النساء: 78) أي: كل لحظة، كل خطوة، كل عمل… هو من عند الله، فكيف لا يكون عظيمًا؟

أن تعمل من الشغف لا من أجل الإنجاز.

أغلبنا يربط المتعة بنتيجة العمل، لكن السر الحقيقي هو أن تجد المتعة في الخطوة نفسها.

.أن يكون كل نفس هدفاً
.أن يكون الطريق هو الجائزة
.أن تعيش في الجنة في كل خطوة 
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (الرعد: 29) طوبى… لمن ذاق الطمأنينة وهو في الدنيا، وليس فقط في الجنة.


ما نتائج هذه الروح في العمل؟
الإلهام يتدفّق دون إجهاد ذهني
الحلول تظهر من حيث لا يُحتسب
التحديات تُحل برقة وثقة.
العلاقات تتصف بالصفاء والسمو.
الجسد يرقّ، والنفس تهدأ، والقلق يزول، وتبدأ تشعر أن حتى المشاكل هي فرص للتطوّر.
وحتى الألم… هو معلم.
يصبح العمل متعة.
ويصبح التسامح متعةً.
ويصبح الإصلاح لعبةً حبٍّ.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (الأنعام: 122)
هذا النور… هو نور العمل بنية، لا بعقد.

تأمل:

حين تعمل لله، تتحول كل مهمة صغيرة إلى عبادة، وكل تفاعل بسيط إلى تسبيح، وكل تعب إلى متعة.
الفرح لا يأتي من التواجد في قصر على البحر، بل من قلب متصل بالله… حتى لو كان في غرفة بسيطة.
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّه﴾ (هود: 88
الآن قل معي بقلبك:
اللهم ارزقني أن أعمل بشغف لا بكدّ، وأن أسعى بنورك لا بأثقال وهمي، وأن أحب الطريق كما أحب الوصول.
اللهم اجعلني من الذين ذاقوا الجنة في كل نفس، فلا يشكون ولا يضجرون، بل يبتهجون… ويبتهجون.
آمين.
Jun 5 • د. أحنف الجاجة

تأمل في تجربة توم كروز …. ما الذي يجعل العمل متعة؟

كلمات في السكينة، الحب، الجمال، تذكّرك بذاتك وفطرتك

الإرادة الحرّة أم حرّية الإرادة؟

هل الإنسان مسيّر أم مخيّر ؟

يكثر السؤال في الأوساط الفكرية والدينية عن الإرادة الحرة، وحرية الاختيار، وهل الإنسان (كشخص) مسيّر أم مخيّر؟ وتُعقد المناظرات، وتُكتب المجلدات في محاولة للإجابة عن هذا السؤال. ولا أُخفي عليك أيها القلب الصادق، أنّ هذا التساؤل -وإن بدا للناظرِ يسيراً- كان أشدَّ ما ابتُليتُ به في حياتي منذ أن كان عمري سبعة عشر عاماً، هذا التساؤل هو أطول ما صارعتُ في ظلمات النفس. ثلاثون سنةً وأنا أتقلّب على جمر هذا التساؤل:

الحرف والنفس: مثالٌ من عالم الشاهدة

تأمل، رعاك ﷲ، في هذا النطق العميق الذي وھبك إياه الخالق. ما هي الكلمات التي تنطق؟ إنها مركبة من حروف. وما هي الحروف؟ إنها أصوات. وما هي الأصوات في الحقيقة؟ إنها أنفاس من الهواء!


نعم، هو هواء واحد (نفس) يخرج من جوفك، مخرج على مخارج متعددة في ديلوكس ولسان وشفتين، يؤدى إلى نتيجة دائمة بشكل مختلف نسمیھا “حروفاً”. النفس الواحدة هي وجوهره، ولكن یتنوع في ظاهره وتجلیه.
لولا هذا النفس، لما كان للحرف وجود. فالحرف لا یملك وجوداً مستقلاً بذاته، ولكن وجوده مُقَدَّرٌ افتراضيّ، یظھر باصطدام الھواء بالمخرج، وی يبقى مجرد تجاوزه. ظھوره هو عین زواله.

الكل كله كلمات الله

لآن، ارفع بصرك من عالم الشهدة إلى عالم الغيب، ومن نَفَس الإنسان إلى “نفس الرحمن”


إن الوجود كله هو “نَفَسُ الرَّحْمَنُ” (وهو الحق به). علاقة كل موجود بالله، ھي كلها علاقة الحرف بالمتكلّم.
كنه كل الحروف هو النفس، وكنه كل موجود هو الحق سبحانه وتعالى. ليس لأي مكان موجود في هذا الكون وجوده مستقل. المخلوقات كلھا كالأمواج على سطح المحیط، تظھر وتختفي، لكن حقیقتھا وجوهرها هو ماء المحیط
فالعالم كله هو “ كلمات الله “. كما تتشكل الحروف لتصنع كلمات، والكلمات لتصنع معاني، وكذلك تتشكل الموجودات لتظھر حكمة الله وصفاته وفعاله.


‏‎الوعي المحض: كامل الذي یظھر الوجود
تأمل في عالمك الداخلي وجوهك العميقة: ما الذي یفصل بین فكرة وفكرة؟ ما الذي تفصيله وتفاصيل؟ بین الإحساس والإحساس؟
إنه “الوعي المحض”. الوجود المحض اللامحدود. النفس الرحماني اللانهائية. كما أن لولا كاملة والصمت بهذه الحروف والكلمات، لما تم حرفه عن حرف، وتذكر الكلمات ضجيجاً لا معنى له؛ وكذلك لولا الحق، والوعي المحض، لما سلوك ولا تتنقلت الموجودات.
الأفكار، المشاعر، الآلاسيس، والإدراك… كلھا العالم تظھر في مساحة الوعي. الوعي موجود ذاتياً، أمة الفكرة (الحرف) فوجودھا مُقَدَّرٌ وافتراضي، لكن فور ظھورها. ودعمها معنا من تباينها عن فكرة أخرى في مجال الوعي.

الخلق الجدید: اللحظة الحاسمة:

من أسرار هذا الفھم، إدراك حقيقة “الزمن” و”الخلق”. يتفقد بربھا كعلاقة الحروف بالمتكلم. المتكلم ینطق الحرف، فیظھر وی الناشئة في ذات الآن. لا تتواى إلا في الكتابة (في وهم الذاكرة)، أما في الحقيقة الصوتية، فإن حرفاً أو تحل محل كل ذلك.
وكذلك الوجود. كل شيء یحدث "الآن"، ویُخلق "الآن"، وی أكد "الآن". الإبداع فَرَضٌ مُقَدَّر (إلا مثل لعبة فيدیو الاعتمادية)، الزمن نفسه لیس إلا نسبة لا خاصة، حرف من الحروف، لا حقیقة له في وھم الأعضاء الذي یضبط بالذاكرة.
الوجود یظھر متالياً الداعي لأن ﷲ هو “مظھِرُ الأشیاء”، خلقھا من الجدید في كل ذلك. أفكارنا الجديدة في كل ذلك، ومشاعرنا، وفعالنا. نحن لا نملك الفكرة، ولا الشعور، ولا الفعل. نحن ساحة (مرآة) یتجلى فیھا فعل الخالق.
وهذا هو معنى: ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِیدٍ ) [ق: 15]. الخلق، یتجدد في كل ومضة عین بل بلا زمن، حتى ومضة العین زمن تحتاج، أما الآن لا تقضي لا تقضي وقتًا.
النطق ومنازل الكون بعمق:
ولس لا عبأ أن يكون النطق العميق مبنياً على 28 حرفاً. العارفون یرون في هذا تطابقاً عجیباً مع منازل القمر الـ 28، والأفلاك التي تتولد بحركتھا كل الموجودات. الإنسان هو الكون الصغیر، والكون هو الإنسان الكبیر. وكلاھما یتكلم بكلمات ﷲ.
إذا توصلت إلى هذا الهدف في قلبك، أدركت السرّ: ( فَوَرَبّ َلسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَمَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) [الذاريات: 23]. فالوجود حق، وعلاقته سبحانه وتعالى حكمكم بأنفاسكم.
وأدركت معنى جل جلاله: ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي اَلْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ ).
(الحلقت 53).
فالآفاق (الكون) والأنفس (الإنسان) كلھما آيات (كلمات) تدل على أن المتكلم واحد، وأن النَفَس واحد، وأن الحق واحد.

‎{ قل لاو كان البحر مدادًا لِكلمَات ربِّي، لَنفِد البحْر قَبْل أن تَنفَد كلمات ربِّي، ولو جِئْنَا بِمثْله مددًا }