حوارٌ في حقيقة الوجود، بين مَن رأى الواحد فغاب عنه الكثير، ومَن رأى الفقر فعرف الغنيّ
جلسا عند حافّة البحر. كان أحدهما قد أمضى عمره يطلب الحقيقة في كتب القوم وأنفاس العارفين، حتى بلغ حالاً لا يرى فيها إلا الواحد. والآخر سَلَك الطريق نفسه، لكنّه وقف عند عتبةٍ خشِي أن يتجاوزها. فبدآ يتحاوران، والموجُ يضرب الصخر، كأنّه يكتب على الرمل ثمّ يمحوه، ثمّ يكتب.
الواصل: لم أعد أرى إلا الله. ما ثَمّ غيرُه. والخلقُ الذي تتمسّك به وهمٌ يتبدّد كلّما اشتدّ النور. لا يوجد مخلوقٌ في الحقيقة.
العارف: جميلٌ ما بلغت. لكن قل لي — مَن الذي يقول الآن «لا مخلوق»؟ مَن هذا اللسان الذي ينطق، والقلب الذي يشهد؟
الواصل: الحقُّ ينطق على لساني. لستُ أنا.
العارف: فقد أثبتَّ لساناً يُنطَق عليه، ومظهراً يَظهر فيه. نفيتَ المخلوق بمخلوق. أرأيتَ كيف تستهلك العبارةُ نفسها؟ مَن نفى الغير، كان غيراً يشهد على ألّا غير.
الواصل: لكنّ افتراض وجودين شِركٌ. كيف يكون مع الله وجودٌ آخر؟
العارف: ومن قال بوجودين؟ ليس الوجودُ صنفاً واحداً يُقسَّم بينهما بالسويّة.
وجودُه سبحانه واجبٌ قائمٌ بذاته، ووجودُك ظِلٌّ قائمٌ به. أتقول إنّ الظلَّ شريكٌ للشاخص؟ الظلُّ لا يُزاحم صاحبه، ولا يقوم إلا به، ولا شيء له من نفسه.
فإثباتُ الظلِّ ليس شِركاً، إنّه عينُ الافتقار.
الواصل: فالظلُّ - في الحقيقة - لا شيء.
العارف: بل شيءٌ لا بنفسه. ولو كان لا شيء، لما رأيتَه، ولا افتقر، ولا دلّ على شاخصه. العدمُ المحض لا يدلّ على شيء. وأنت تدلّ - بفقرك - على غناه. فلو كنتَ عدماً، لانطفأ الدليل.
صمتَ الواصلُ طويلاً. ثمّ نظر إلى الموج، وقال كلمةً واحدةً تغيّر بها مجرى الحوار:
الواصل: الخلقُ فرضٌ مقدَّر
فابتسم العارفُ، لأوّل مرّة، ابتسامةَ من بلغه الكلامُ الذي كان ينتظره.
العارف: الآن قلتَها. الآن وصلنا لبعض.
شرحُ الكلمة التي جمعت الطريقين
تأمّل كلمتيك، فإنّ فيهما صلحَ المسألة كلِّها. قلتَ «فرض» — فنفيتَ أن يكون للخلق وجودٌ مستقلٌّ مكافئٌ يُثنّي الوجود. لا غيرَ قائماً بذاته. وهذا حقٌّ، وهو ما كنتَ تريد.
ثمّ قلتَ «مقدَّر» — فأثبتَّ أنّه مُقدَّرٌ بقدر؛ والمقدَّرُ شيءٌ وقع عليه التقدير، لا عدمٌ محض. العدمُ لا يُقدَّر، ولا يُفرَض، ولا يُجعَل مرآةً للظهور.
- ففي كلمتين جمعتَ الحقَّ كلَّه: «فرضٌ» تنفي الاستقلال، و«مقدَّر» يُثبت الثبوت الظِّلّيّ. فلا الخلقُ نِدٌّ مستقلٌّ - فيكون شِركاً، ولا الخلقُ عدمٌ محضٌ - فتكون عدميّةً تلبس ثوب التوحيد. بل ظلٌّ ثابتٌ بإثبات مُظهِره، فقيرٌ إليه، قائمٌ به.
وهذا عينُ ما نطق به القرآن بدقّةٍ لا تُجاوَز: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. لم يقل «لا شيء»، بل أثبت «كلَّ شيء» ثمّ وصفه بـ«هالك» — أي مفتقرٍ في ذاته، لا قِوام له من نفسه. فأثبت الشيءَ ونفى استقلاله. ولو أراد محوَه رأساً لقال «لا شيء إلا وجهه». لكنّه أثبته هالكاً، لا معدوماً. وبين «الهالك» و«المعدوم» يقوم التوحيدُ كلُّه
- فالفناءُ الحقّ: أن تفنى عن استقلالك، لا عن وجودك؛ أن يَرِقّ الحجابُ، لا أن يُمحى المحبّ. توحيدُ المحبّة لا توحيدُ الذوبان. أن تشهد أنّه الواحد، لا أن تدّعي أنّك إيّاه.
العبوديّةُ في عين القُرب
بل أبقى العبوديّة في عين القُرب، لأنّ العبوديّة ليست حجاباً عن الوصال، بل أتمُّ صوره.
آخر المقالات

