صِبغةُ الله
لماذا لا يحتاج من رأى وجهه أن يتعلّم الرحمة
صِبغةُ الله
لماذا لا يحتاج من رأى وجهه أن يتعلّم الرحمة
السؤال الذي يأتي بعد الكشف
من رأى ولو لمحةً أن المعرفة التي فيه ليست ملكاً له، وأن وجوده قائم بالله لا بنفسه، يعود من الصمت إلى حياته فيسأله الطريق سؤالاً لا يرحم الادعاء:
وماذا تغيّر فيك؟
هل صرت أرحم؟ هل خفّ غضبك؟ هل اتسعت لمن يخالفك؟ هل أصبحت يدك أسرع إلى العطاء، ولسانك أبطأ إلى الجرح؟ أم رأيت نوراً في الخلوة، ثم عدت إلى ضجرك وشحك وكبريائك كأن شيئاً لم يكن؟
هذا السؤال ميزان الطريق كله.
فالكشف الذي لا يُثمر خُلقاً قد يكون فكرة جميلة عن الكشف. والحال الذي لا يجعلك أصدق مع أهلك وألين مع الضعيف ربما كان نشوةً مرت بالقلب، لا نوراً بدّل وجهته.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الناس الذين يتحدثون عن الوحدة ويصعب العيش معهم. ولا إلى من يذوب في الحضرة ساعةً، ثم يجعل من حوله يدفعون ثمن عودته إلى نفسه.
الرؤية الصادقة لها أثر. ليس لأنك تخرج منها ومعك قائمة جديدة من الأوامر، بل لأن الذي كان يمنع الرحمة من الجريان يبدأ بالتشقق.
وهذه هي الفكرة التي أريد أن نقترب منها: الأخلاق بعد الرؤية لا تكون طلاءً يوضع فوق النفس. تصبح صبغةً يتشرّبها القلب حتى لا يعود يعرف أين انتهى اللون وأين بدأ الثوب.
حين يقاتل الإنسان نفسه
الصورة المعتادة للأخلاق صورة حرب.
في داخلك نفس تريد، وأنت تريد غير ما تريد. فتجاهدها. تكبت الغضب. تُرغم يدك على العطاء. تُسكت الحسد بالتسبيح. تنجح يوماً وتفشل أياماً، وفي الحالتين تتعب.
والتعب ليس أسوأ ما في هذه الصورة. الأسوأ أن المنتصر والمنهزم شخص واحد.
من الذي يقاتل النفس؟ النفس.
من الذي يفخر إذا غلبها؟ النفس.
ومن الذي ييأس إذا انهزم؟ النفس.
تدير معركةً كلا طرفيها أنت، ثم تتعجب أنها لا تنتهي. يتسلل الكبر إلى الصبر، والرياء إلى الكرم، والقسوة إلى التقوى. تقول النفس: قاومتُ نفسي، ثم تبني من انتصارها عرشاً جديداً لها.
ليس معنى هذا أن المجاهدة باطلة. لكن المجاهدة التي لا ترى الجذر قد تقص الأغصان وتترك الشجرة تزداد صلابة تحت التراب.
والجذر هو دعوى «أنا» المستقلة: أنا التي أملك، وأنا التي أُصاب، وأنا التي أستحق، وأنا التي تتفضل على الناس حين تعطيهم.
ما دام هذا المركز قائماً، ستبدل الرذائل أسماءها فقط. قد يخرج منك البخل بثوب الزهد، والغضب بثوب الغيرة، وحب الظهور بثوب الدعوة، وتبقى النفس جالسة في المكان نفسه.
ما رآه أهل الطريق المباشر
رأى المتأملون في الطريق المباشر شيئاً صحيحاً وعميقاً: كل رذيلة تحتاج إلى مركز تتغذى منه.
الطمع يحتاج إلى «أنا» تريد أكثر كي تكتمل. الحسد يحتاج إلى «أنا» تقارن صورتها بصورة غيرها. الغضب يحتاج إلى «أنا» تعتقد أن كرامتها كلها اختُصرت في موقف. الخوف يحتاج إلى «أنا» تظن أنها تحمل وجودها وحدها.
فإذا نظرت في هذه الأنا ولم تجد كياناً مستقلاً، بل وجدت أفكاراً وذكريات وإحساساً متبدلاً بالهوية، خفّ الوقود الذي تشتعل به الرذائل.
لا تحتاج عندئذ إلى أن تضرب الغضب بغضب آخر. يكفي أن تراه من غير أن تسلّمه بيتك كله. ولا تحتاج إلى أن تكره الحسد كي تتخلص منه. يكفي أن تعرف أن المقارن الذي يطلب لنفسه وجوداً فوق الآخرين ليس إلا فكرة عابرة تطلب منك التصديق.
هذا نصف الحقيقة، ونصف جليل.
لكنه إذا وقف عند تفريغ المركز، فقد يترك القلب محايداً. لا شر فيه، لكن لا وجهة له. سكون بلا محبة. فراغ لا يؤذي أحداً، لكنه لا يحمل أحداً أيضاً.
وأهل المعرفة لا يريدون فراغاً بارداً.
يريدون قلباً صار قابلاً للأسماء.
صِبغة الله ليست طلاءً
يقول الله:
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾
الصبغة ليست لوناً نضعه فوق الثوب ثم نمسحه إذا تبدل المزاج. هي لون يتخلل النسيج.
لكن ينبغي أن نضبط العبارة حتى لا نخون المعنى ونحن نحب جماله.
لا نقول إن الإنسان قطعة من الله. ولا إن الصفات الإلهية أجزاء انتقلت إلى العبد. ولا إن الروح الإنساني جزء انفصل عن الذات ثم حلّ في الجسد. تعالى الله عن التجزؤ والحلول.
نقول إن وجودك وحياتك وعلمك وقدرتك ورحمة قلبك ليست قائمة بك استقلالاً. أنت فقير في كل لحظة إلى إمداد الحق. وما يظهر فيك من رحمة فبفتح من اسمه الرحمن، وما يظهر من علم فبإمداد من العليم، وما يظهر من ستر فبأثر من الستير.
لستَ المصدر.
لكن يمكنك أن تكون مجرىً صافياً.
ولستَ الشمس.
لكن النافذة إذا نُظفت لا تعتذر عن الضوء الذي يمر فيها.
هنا نفهم معنى التخلق بأخلاق الله: ليس أن تدعي صفاته، بل أن تتأدب مع أسمائه، وأن تزيل من قلبك ما يمنع آثارها من الظهور بقدرك البشري وحدود عبوديتك.
الرحمة ليست جبلاً تصعده كل صباح. هي ماء ينتظر أن تفتح له الطريق.
والماء لا يجاهد ليجري. لكنه يحتاج أن يُرفع الحجر من مجراه.
المرآة تضيء بما تواجهه
المرآة لا تختار صورتها من داخلها. إذا واجهت جداراً عكست جداراً، وإذا واجهت الشمس أشرقت.
فالخلق الذي يظهر منك يتصل بما يواجهه قلبك. إذا واجه قلبك صورته أمام الناس، خرجت أفعاله مشغولةً بحفظ تلك الصورة. وإذا واجه الخوف، صار عطاؤه صفقة. وإذا واجه الرحمن، بدأت الرحمة تفيض من غير أن تحصي لنفسها فضلاً.
ولهذا يتغير معنى الأخلاق حين تنتقل من الحرب إلى الانعكاس.
الرحمة
في صورة المجاهدة وحدها، ترغم نفسك على الشفقة بمن أساء إليك، وتظل في داخلك تذكّره بأنك أفضل منه لأنك رحمته.
أما في صورة الانعكاس، فترى إنساناً ضاقت نافذته حتى آذى. لا تبرر ظلمه، ولا تسلمه حدودك، لكنك لا تختصره في أسوأ لحظاته. تنزل عليه الرحمة كما ينزل المطر، لا لأن الأرض قدمت شهادة استحقاق، بل لأن الماء إذا جاء جرى.
الكرم
في المجاهدة، تنتزع من يدك شيئاً تحبه وتشعر بمرارة الفقد.
وفي الرؤية، تعرف أن ما في يدك لم يكن ملكاً مطلقاً لك. هو أمانة مرت بك، ثم وجدت طريقها إلى موضع آخر. الكريم لا يشعر دائماً أنه أعطى. أحياناً يشعر فقط أن الرزق عبر من باب إلى باب.
الصبر
في المجاهدة، تعض على أسنانك وتنتظر أن تنتهي اللحظة.
وفي الرؤية، تستريح في سعة لا تختصر الحقيقة في هذه اللحظة. لا تنكر الألم، لكنك لا تضيف إليه احتجاج الهوية: «كيف يحدث هذا لي أنا؟». الصبر ليس تجميداً للوجع. هو أن تسعه من غير أن يصير الوجع إله اللحظة الوحيد.
العفو
في المجاهدة، تحاول إقناع نفسك بأن تسامح، بينما تحتفظ في غرفة داخلية بملف الجريمة كاملاً.
وفي الرؤية، ترى أن التعلق بصورة المصاب يعيد الإصابة كل يوم. تعفو لا لأن الفعل صار صواباً، بل لأنك لا تريد أن تجعل خطأ غيرك خالقاً لهويتك المقبلة.
الحِلم
في المجاهدة، تكبت الغضب حتى يتعلم الابتسام من الخارج ويحترق في الداخل.
وفي الرؤية، ترى الغضب سحابة في سماء أوسع. قد تقول كلمة حازمة، وقد تضع حداً، لكنك لا تسلم السحابة اسمك وقرارك ولسانك. الحليم ليس من فقد القدرة على الغضب. هو من لم يمنح الغضب حق القيادة.
التواضع
في المجاهدة، تكرر لنفسك أنك صغير، وقد تفخر بأنك أكثر الناس تواضعاً.
وفي الرؤية، لا تحتاج إلى تصغير نفسك. يكفي أن تعرف أن النور أمانة. كيف تفخر المرآة بالشمس؟ وكيف تحتقر نفسها وهي تحمل انعكاسها؟ التواضع ليس إهانة النفس. هو أن يذهب الحمد إلى صاحبه، وتبقى أنت سعيداً بأنك لم تحجبه.
وما رميت إذ رميت
يقول الله لنبيه ﷺ:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
لم تنفِ الآية الفعل من جهة الصورة، فقد وقع الرمي. ولم تثبته مستقلاً من جهة الحقيقة، فردّت الإمداد والتأثير إلى الله.
هذه الآية تفتح باباً دقيقاً في الأخلاق. اليد تمتد. الكلمة الطيبة تُقال. المال يُبذل. الاعتذار يخرج من فمك. أنت مسؤول عن وجهتك واختيارك وكسبك، لكنك لا تدعي أنك خلقت القدرة التي فعلت بها، ولا الظروف التي أتاحت الفعل، ولا النور الذي أبصرت به الخير.
بهذا يجتمع أمران يفسدهما الاختصار: مسؤولية العبد، وسقوط دعوى استقلاله.
فليس معنى «لا فاعل استقلالاً إلا الله» أن تقول: لا حساب عليّ. من قالها ليتخلص من المسؤولية أثبت الأنا في أوضح صورها، ثم علّق عليها لافتة عرفانية.
بل معناها أن تفعل الخير بكلك، ثم لا تجعل من الخير تمثالاً لنفسك.
وهذا هو الإخلاص في صورته الأصفى: أن يمر الفعل من غير أن يتبعه صاحبه مطالباً بالتصفيق.
وإنك لعلى خُلُق عظيم
قال الله عن حبيبه ﷺ:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه فقالت: «كان خُلُقه القرآن».
لم يكن القرآن عنده معلومات محفوظة فقط. صار رحمةً حين لقي الضعيف، وحلماً حين قدر، وعدلاً حين حكم، وحياءً حين خلا، وثباتاً حين اضطرب الناس.
ولهذا قال الله:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
لم يقل إنه تحدث عن الرحمة فحسب. صار وجوده في العالم باباً منها.
والأسوة به لا تعني أن تقلد صورة الفعل وتترك القلب في جهته القديمة. قد تبتسم ابتسامته وقلبك يطلب الهيمنة. وقد تلبس لباس الزاهد وقلبك يعبد صورته. الأسوة الأعمق أن تتوجه حيث توجّه، وأن تجعل عبوديتك لله أسبق من عبوديتك لنظرة الناس.
هو الدليل على أن الخلق يمكن أن يصير طبيعةً لا قناعاً، ونوراً لا إعلاناً.
المجاهدة لا تختفي
لا يعني كلامنا أن الطريق بلا عمل. المجاهدة لا تختفي، لكنها تنتقل من كراهية النفس إلى كشف أكاذيبها.
حين ينهض الغضب ويقول: «أنا أُهنت»، لا تحاربه بغضب آخر. انظر في دعواه. ما الحق الذي ينبغي حفظه؟ وما الصورة التي تريد الانتقام لنفسها؟ قد تحتاج إلى موقف حازم، لكن الحزم الذي يحفظ الحق غير الانتقام الذي يطعم الهوية.
وحين ينهض البخل ويقول: «إن أعطيتُ نقصت»، انظر: ما الذي تملكه حقاً؟ وما الذي بقي في يدك إلى الأبد؟
وحين ينهض الرياء ويقول: «دعهم يعرفون ما فعلت»، لا تحتقر نفسك. ابتسم لهذه الحاجة الصغيرة إلى الوجود في عيون الناس، ثم ردّ الفعل إلى وجهته.
هذا هو الذكر: أن تعود كلما نسيت.
ولو قلتَ إنك رأيت الحقيقة، ثم لم تزدد رقّةً بالضعفاء، وصدقاً في البيع، وحياءً في الخلوة، وسعةً مع من يخالفك، فراجع ما رأيت. قد تكون رأيت فكرة عن الحقيقة، لا الحقيقة وهي تعيد ترتيبك.
الثمرة هي الدليل.
لا الأحوال، ولا الرعشة، ولا الكلمات الكبيرة.
عبد شفّاف
التخلق بأخلاق الله ليس أن تصير إلهاً. هو أن تصير عبداً شفافاً.
الزجاج لا يصير شمساً حين يمر فيه الضوء. يصير نقياً فقط. وكلما صفا ازداد دلالةً على مصدر النور، وقلّ ادعاؤه لنفسه.
وستجد مفارقة جميلة: كلما ازدادت شفافيتك، ازدادت عبوديتك.
من رأى أن الرحمة فيه ليست ملكه، كيف يفخر بها؟ ومن رأى أن الحسنة أمانة، كيف يأمن أن يخونها؟ ومن رأى وجه ربه في كل وجه، كيف لا ينحني للخدمة؟
الكشف الأعلى لا يصنع رأساً مرتفعاً.
يصنع قلباً واسعاً ورأساً مطرقاً.
وهذا هو الفرق بين النور والادعاء: النور يدفئ من حوله، والادعاء يطلب منهم أن يشهدوا بأنه مضيء.
◆
قبل أن تتكلم
خذ هذه الوقفة إلى يومك.
في كل موقف يستفزك، قبل أن ترد، توقف ثانية واحدة. لا لتكبت نفسك، بل لترى.
اسأل بلا صوت:
ما الذي أُصيب الآن؟
ثم اسأل:
أي اسم يُطلب مني أن أتأدب معه هنا؟ رحمة؟ حلم؟ صبر؟ عفو؟ عدل؟
لا تتصنع الاسم. توجّه إليه. افتقر إلى الله فيه. ثم افعل ما يطلبه الحق، لا ما تطلبه صورة نفسك.
ستخطئ كثيراً. ستصدق الأنا وتغضب وتشح وتقسو. لا تجعل الخطأ هوية أخرى. عُد.
كل عودة ذكر. وكل ذكر يزيل عن النافذة طبقةً من الغبار.
وسيأتي يوم لا تسأل فيه السؤال بالطريقة نفسها. لا لأنك صرت معصوماً، بل لأن الرجوع صار أسرع من الغفلة. ترحم قبل أن تعدّ مزايا الرحمة. تعطي قبل أن تصنع لنفسك صورة الكريم. تصبر من غير أن تطلب من الناس الاعتراف بصبرك. وتعفو لأن قلبك صار أوسع من أن يستأجره الجرح.
عندها تفهم لماذا سمّاها الله صبغة.
لم تعد تلبس الرحمة حين يناسبك، ثم تخلعها.
صارت الرحمة لونك.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾
أعجبك؟ شاركه مع من يهمّه.
محبٌّ للحقيقة | أشاركك الطريق المباشر للبهجة والسعادة الأبدية | الحقيقة • الحب • الجمال
مقالات ذات صلة
فَإِنِّي قَرِيبٌ
خاطرٌ يخافه الداعون: إن كان يعلم ويقضي، فماذا أفعل حين أدعو؟ رحلةٌ في ترتيب الآية تكشف أن أول الإجابة ليس الشيء الذي تنتظره، بل القرب الذي وقع فيه انتظارك.
عرفتُ ربي بربي
دعوة إلى الالتفات، لا إلى فكرة جديدة عن الله: أن تنظر في الجهة التي كنتَ تنظر منها دائماً. فبأي نور بحثتَ عنه؟ وبأي معرفة سألت؟ ومن الذي يعرف حين تقول: أنا أعرف؟
من يعرف الله؟
في الصمت تسكت الأفكار ويتراجع الجسد، ثم تبقى معرفة عارية من موضوعها. فهل هذا هو الله؟ سؤال لا يُقتل بجواب سريع، بل يُسلك فيه بأدب، حتى تسقط دعوى العارف المنفصل.
التعليقات