مقال تأملي

من يعرف الله؟

عن اللحظة التي لا يبقى فيها من الأشياء شيء، ولا تبقى إلا المعرفة

د. أحنف الجاجة
٨ دقيقة قراءة

من يعرف الله؟

عن اللحظة التي لا يبقى فيها من الأشياء شيء، ولا تبقى إلا المعرفة

سؤال يأتي بعد الصمت

ليس هذا مقالاً للمتخصصين. هو جواب عن سؤال يصلني من أناس جلسوا في هدوء، دقائق أو ساعات، ثم حدث لهم شيء لم يجدوا له اسماً.

سكتت الأفكار قليلاً. خفّ الإحساس بالجسد. تراجعت الحكاية التي يرددها الإنسان عن نفسه. وبقي شيء واحد لم يذهب: أنه يعرف.

لا يعرف شيئاً بعينه. لا فكرة، ولا صورة، ولا اسماً. بقيت المعرفة نفسها، عارية من موضوعها.

ثم جاء السؤال الذي يتردد صاحبه قبل أن يقوله بصوت مرتفع:

هل هذا هو الله؟

السؤال جريء. لكن قتله بإجابة سريعة أخطر من جرأته. إن قلتَ نعم قبل أن تميّز، جعلتَ تجربة محدودة تحيط بالغيب. وإن قلتَ لا قبل أن تنظر، ربما رددتَ الباب الوحيد الذي انفتح لك لأنك لم تعرف اسمه.

فلنقترب بصدق. لا نرفع التجربة إلى ما لا تستحق، ولا نخفضها عمّا تكشف.

تجربة صغيرة قبل الكلام

خذ نفَساً هادئاً.

لاحظ صوت الغرفة. لاحظ ثقل الجسد على المقعد. لاحظ الفكرة التي تعلّق الآن على هذه الكلمات.

كل ما لاحظتَه ظهر ثم تغيّر. الصوت جاء وسيغيب. الإحساس تحرك. الفكرة ولدت ثم ستذوب. حتى الصورة التي تسميها «أنا» تتبدل من لحظة إلى أخرى.

والآن اسأل:

ما الذي عرف كل هذا؟

لا تبحث عن ملاحظ صغير جالس خلف عينيك. فهذا الملاحظ، إن رسمتَ له صورة، صار هو أيضاً شيئاً تعرفه. ولا تبحث عن كلمة «وعي» تحفظها من كتاب. الكلمة فكرة، وقد ظهرت في المعرفة مثل سائر الأفكار.

انظر إلى المعرفة نفسها.

لا لون لها. لا صوت. لا طول ولا عرض. لا تراها في جهة، لأن الجهات كلها تظهر فيها. لا تصل متأخرة بعد التجربة، بل تكون مع التجربة. حين يُسمع الصوت تكون معرفته حاضرة، وحين يغيب تبقى القابلية للمعرفة من غير أن تسمع لها وقعاً.

هذه المعرفة ليست غريبة عنك. لم تمر عليك لحظة ثم جاءتك بعدها. كل ما تسميه حياتك لم يُعرف إلا بها.

لكن هل كونها أقرب الأشياء إليك يعني أنها ملكك؟

هنا يبدأ السؤال الحقيقي.

من يعرف هنا؟

العادة تجيب: أنا.

لكن أرني هذا الـ«أنا» الذي يزعم أنه يعرف.

هل هو الجسد؟ الجسد معروف. تشعر بثقله وخفته، بصحته وألمه، ثم يغيب أكثره عن انتباهك في النوم أو الانهماك، ولا تنعدم إمكان المعرفة.

هل هو الفكر؟ الفكر معروف أيضاً. تسمع عباراته في داخلك. تراه يبدل رأيه، ويتذكر وينسى، ويهدأ ويضطرب. وما يُرى تغيره ليس هو الرائي من الجهة نفسها.

هل هو تاريخك؟ اسمك؟ صورتك أمام الناس؟ كلها محتويات في الذاكرة. تأتي حين تُستدعى وتغيب حين تنصرف عنها.

كلما مددتَ يدك إلى شيء وقلتَ: «هذا هو العارف»، وجدته معروفاً.

فمن بقي؟

بقيت المعرفة بلا مالك ظاهر. وبقي الوجود حاضراً من غير بطاقة تعريف.

عند هذه العتبة يضيء الحديث القدسي: يقول الله في عبده الذي أحبّه: «كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به». لم يقل إن العبد صار إلهاً، ولم يقل إن الله حلّ في عضو من أعضائه. بل نزع عن العبد دعوى الاستقلال في سمعه وبصره، وردّ الفعل والنور والإمداد إلى صاحبه.

وفي العبارة الصوفية المشهورة: «لا يعرف الله إلا الله».

ليست العبارة تعجيزاً لك، بل تحريراً. أنت لا تحيط بالله بعقل صغير، ولا تحمل المعرفة كأنها ملك خاص. ما تعرف به قائم بالله، وما يظهر من علم فيك فبإمداد اسمه العليم.

لذلك فالجواب الأدق عن السؤال ليس: «أنا عرفت الله»، ولا: «هذه الحالة هي ذات الله».

الجواب الأصدق:

انكشفت دعوى العارف المنفصل، فبقي نور المعرفة يشهد أن قيامي به، لا بنفسي.

ما انكشف لك ليس كنه الله

هنا يجب أن نبطئ. أكثر الزلل في الطريق يأتي من نشوة الوصول المبكر.

ما تجده في الصمت ليس كنه الذات الإلهية. الذات من حيث غيبها لا يحيط بها خاطر، ولا يحبسها اسم، ولا تتحول إلى تجربة يمتلكها شخص. كل ما خطر ببالك، فالله لا يحده ما خطر.

لكن هذا لا يجعل التجربة وهماً.

الذي انكشف هو سقوط غطاء كان يحجب عنك افتقارك، لا انكشاف الغيب لك إحاطةً. رأيتَ أن أفكارك وجسدك وصورتك لا تقوم بنفسها. ورأيتَ أن المعرفة التي بها تعرفها لم تصنعها ولم تستدعها من عدم. كانت سابقة على دعواك، حاضرة قبل أن تقول «أنا».

يقول القرآن:

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

تأمل ترتيب الكلمات: غفلة، ثم غطاء، ثم كشف. الحقيقة لم تكن بعيدة حتى قطعت المسافة إليها. الغطاء كان عليك.

أنت كغرفة انفتحت نافذتها على البحر. دخل الضوء، وظهر الأفق، وامتلأت الغرفة برائحة الملح. لكن الغرفة لم تحتو البحر. ومن الصدق ألا تنكر ما رأيت، ومن الصدق نفسه ألا تدعي أنك أحطت بما رأيت.

ليس المطلوب أن تشرب البحر.

يكفي أن تكفّ عن عبادة الجدار.

الشاهد نفسه ستار رقيق

بعد أن تخفت الأشياء، قد يبقى فيك شعور رقيق يقول:

بقيتُ أنا شاهداً على كل شيء.

وهذا أصفى من ضجيج الهوية المعتادة، لكنه ليس نهاية الطريق. فما دام هناك من يملك الشهادة ويقول «أنا الشاهد»، بقي اثنان في العبارة: شاهد ومشهود.

ذلك الشاهد آخر ما ترتديه الأنا حين تضيق عليها الثياب. تخلع اسمها وتاريخها ورأيها، ثم ترتدي ثوب «الوعي الصافي» وتقول: وصلت.

وهنا يأتي معنى الفناء عن الفناء.

ليس الفناء أن تموت، ولا أن تختفي الأشياء، ولا أن تصبح عاجزاً عن العمل والحب والاختيار. الفناء أن تسقط دعوى القيام بالنفس. أما الفناء عن الفناء فهو أن يسقط منك حتى افتخارك بأنك فنيت.

لا يبقى أحد يرفع شهادة وصوله.

ولا تحاول أن تصنع هذا. فكل محاولة ستعيد الصانع إلى المشهد. يكفي أن ترى كل دعوى حين تنهض، وألا تجعل منها مقاماً جديداً. حتى الصمت لا تمتلكه. حتى السكون عطية. حتى قولك «لم يبقَ إلا الوعي» فكرة ظهرت، ثم غابت.

ثم تعود إلى العالم

قد تظن أن الطريق يكتمل حين تختفي الصور. لكنه يبدأ هناك ولا ينتهي.

الإعراض عن العالم نصف الرؤية. النصف الآخر أن تعود إليه بعين لم تعد تطلب منه أن يقوم بنفسه.

ترى وجه أمك. شجرةً أمام النافذة. طفلاً يبكي. غريباً يمر في الشارع. ضوء العصر على جدار قديم. كانت هذه الأشياء من قبل حجاباً لأنك ظننتها مكتفية بنفسها، مستقلة عن مصدر وجودها. فلما سقط وهم الاستقلال، لم تختف الصور، بل صارت نوافذ.

الكثرة لم تعد خصماً للوحدة. صارت الوحدة وهي تمنح كل صورة وجهها الذي لا يتكرر.

وفي لغة الشيخ الأكبر، لا يكرر التجلي صورة واحدة لشخصين، ولا يكررها للشخص نفسه في لحظتين. كل لحظة خلق جديد، وكل وجه استقبال جديد، وكل معلوم طريق لا ينتهي إلى نفسه.

لذلك لا يعود العارف إلى العالم بارداً.

من رأى الصور أوهاماً لا قيمة لها قد يقسو عليها. أما من رآها فقيرة إلى الله، قائمة بإمداده، فإن الرحمة تتسع فيه. يعرف أنها ليست الله، ويعرف أنها ليست منفصلة عن عطائه لحظة واحدة.

لا يقول للشجرة: أنتِ الله.

ولا يقول لها: لا معنى لك.

يراها آية، والآية لا تُعبد ولا تُهان. تُقرأ.

لماذا لا يحيط العقل؟

تقول: لكن هذا لا يستقر في العقل.

ومعك حق، إذا كنتَ تريد من العقل أن يحيط بما لا حد له.

العقل يميز ويحد ويربط. وهذه وظيفته وكرامته. به نعرف الفرق بين الخالق والمخلوق، وبين الصدق والوهم، وبين الكشف والدعوى. لكن الأداة التي تعمل بالحدود لا تستطيع أن تجعل اللامحدود موضوعاً محدوداً أمامها.

العجز هنا ليس إلغاءً للعقل، بل معرفة بحده.

العين ترى الضوء، لكنها لا ترى من دون الضوء. والعقل يعرف الأشياء، لكنه لا يخلق النور الذي به تنكشف له. فإذا التفت إلى أصل معرفته، بلغ باباً يستطيع أن يقف عنده بأدب، ولا يستطيع أن يحمله إلى مختبره.

لهذا قال أهل المعرفة إن الله يُذاق ولا يُحاط به فكراً. والذوق لا يعني ترك العقل، بل يعني ألا تطلب من الوصف أن يقوم مقام الشرب.

قد يشرح لك ألف كتاب تركيب الماء.

لكن العطش لا يرتوي بالمعادلة.

وماذا تفعل غداً صباحاً؟

لا شيء استثنائياً.

اجلس دقائق قبل أن يبدأ اليوم. لا تحاول أن تصل إلى حالة. لا تطرد الأفكار ولا تستدعِ السكون. لاحظ ما يظهر، ودعه يأخذ مداه ثم يمضي.

وحين تلمس تلك المعرفة الهادئة التي تعرف الحضور والغياب، لا تسمّها سريعاً. لا تقل: «هذا الله» كأنك أحطت، ولا تقل: «هذا أنا» كأنك ملكت. قل في سرّك:

يا رب، هذا النور بك، وهذا الوجود منك، وأنا فقير إليك في كل نفس.

ثم قم إلى يومك.

انظر إلى أول وجه تلقاه كأنك تراه للمرة الأولى. أصغِ إلى أول صوت من غير أن تستعمله سلماً إلى الفكرة التالية. إذا غضبت، اسأل: من الذي ادعى أن الغضب ملكه؟ وإذا فرحت، لا تقبض على الفرح. وإذا عملت، اعمل بكلك، ثم ردّ القدرة إلى من أمدك بها.

فالمعرفة التي لا تعيدك أصدق وأرحم لم تكشف لك إلا صورةً جديدة عن نفسك.

أما المعرفة التي تخلع منك صاحب المعرفة، فهي لا تتركك فارغاً. تردّك إلى العالم خفيفاً، لأنك لم تعد مطالباً بأن تحمل وجودك وحدك.

ما تجده في الصمت ليس غنيمةً لك.

هو انكشاف أنك أنت الغنيمة المستردة إلى صاحبها.

وهناك، حين لا يبقى في القلب من يقول «عرفتُ»، يبدأ معنى أن يعرف الحق نفسه بك، من غير أن تحيط به، ومن غير أن تقوم لحظة واحدة بغيره.

أعجبك؟ شاركه مع من يهمّه.

د. أحنف الجاجة
د. أحنف الجاجةباحث في الفلسفة والتصوّف المقارن

يكتب في الفلسفة والتصوّف واللاثنائية، ويقارن بين تعليم اللاثنائية المعاصرة ومذهب وحدة الوجود في المدرسة الأكبرية.

مقالات ذات صلة

مقال تأملي

دعوة إلى الالتفات، لا إلى فكرة جديدة عن الله: أن تنظر في الجهة التي كنتَ تنظر منها دائماً. فبأي نور بحثتَ عنه؟ وبأي معرفة سألت؟ ومن الذي يعرف حين تقول: أنا أعرف؟

د. أحنف الجاجة٩ دقيقة قراءة
مقال تأملي

إذا كانت السعادة الحقيقية في الداخل فلماذا أعمل؟ بين زهد الجاهل وطمع الغافل ثمة مقام ثالث

د. أحنف الجاجة٥ دقيقة قراءة
مقال تأملي

الذِّكر الحقيقي ليس أن تذكر الله بلسانك بل أن تكون حاضراً في حضرة الله وإن سكت لسانك

د. أحنف الجاجة٧ دقيقة قراءة