عرفتُ ربي بربي
حين تعرف نفسك، من الذي يعرف؟
عرفتُ ربي بربي
حين تعرف نفسك، من الذي يعرف؟
لمن يريد وجهه
هذه الكلمات ليست لمن يريد أن يجمع فكرة جديدة عن الله إلى أفكاره القديمة.
هي لمن تعب من الوقوف عند الكلام عن البحر، وأراد أن يبلل قدميه. لمن يقرأ:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
ثم يرفع عينيه عن الصفحة ويسأل:
إذا كان وجهه حيث أتولى، فلماذا لا أراه؟
لن أعدك بأن ترى في نهاية هذه الصفحات. فالرؤية ليست جائزة يمنحها المقال لقارئه. لكنني سأدعوك إلى النظر في الجهة التي كنتَ تنظر منها دائماً، ولم تلتفت إليها لأنك كنت مشغولاً بما يظهر فيها.
إنك تبحث عن الله أمامك، مع أن السؤال يولد من نور حاضر فيك الآن.
فبأي نور بحثت عنه؟
وبأي معرفة سألت عنه؟
ومن الذي يعرف حين تقول: «أنا أعرف»؟
اجلس معي قليلاً
أغلق ما حولك برفق. لا تغلق عينيك إن لم تشأ. يكفي أن تكف لحظةً عن الركض خلف الشيء التالي.
لاحظ الأصوات. قريبها وبعيدها. تظهر ثم تذوب.
لاحظ الجسد: ثقله، حرارته، حركة النفَس، النبض الخفيف في الأطراف. كل إحساس يتغير ولو لم تنتبه إلى تغيره.
لاحظ الأفكار. تأتي من غير استئذان، تتكلم بصوتك، وتغادر من غير أن تستأذنك. حتى الفكرة التي تقول: «أنا أتأمل الآن» ضيف من هؤلاء.
والآن لا تنظر إلى ما يظهر فقط. التفت إلى ما به ظهر.
الصوت عُرف. الإحساس عُرف. الفكرة عُرفت. فما هذا النور الذي به صارت الأشياء معلومة؟
لا تبحث له عن صورة. فكل صورة ستصبح معلومة أخرى.
لا تبحث له عن موضع. فالمواضع كلها لا تُعرف إلا فيه.
ولا تسمّه سريعاً. كلمة «وعي» قد تكون نافذة، وقد تصبح ستاراً إذا ظننت أن الاسم أغناك عن النظر.
امكث لحظةً مع حقيقة بسيطة:
المعرفة حاضرة.
قبل أن تقول إنها لك، هي حاضرة. وقبل أن تفسرها، هي حاضرة. وحتى شكك فيها معلوم بها.
سؤال يولد من الصمت
في هذا المكث يولد سؤال لا يأتي من الكتب:
حين تعرف المعرفة نفسها، من الذي يعرف؟
يجري إلى الذهن جوابان.
الأول: أنا. هذه نفسي تعرف نفسها.
والثاني، ويأتي غالباً ممزوجاً بالرهبة: أليس هذا حضور الحق؟ أليست المعرفة في أصلها معرفة الله بنفسه؟
لا تطفئ السؤال بأحد الجوابين. الأول قد يعيد بناء الإنسان المستقل الذي بدأ يتصدع، والثاني قد يجعل من تجربة محدودة إحاطةً بالذات العلية.
دعنا نسأل قبل ذلك:
ما الأداة التي عرفتَ بها نفسك وربك؟ وهل تملكها؟
هنا يقع قلب عبارة «عرفتُ ربي بربي».
ليست العبارة وصفاً لمعلومة عرفتها عن الله. هي انقلاب في نسبة المعرفة نفسها.
أرني العارف
قلتَ: أنا الذي أعرف.
حسناً، أرني هذا الأنا.
ستجد جسداً. لكنه معروف.
ستجد تاريخاً واسماً ومهنةً ووجوهاً حفظت نظرتها إليك. لكنها جميعاً ذكريات معروفة.
ستجد إحساساً داخلياً يقول: «أنا هنا». اقترب منه. ستراه يقوى ويضعف، يتسع وينقبض، يظهر مع الخوف بصورة ومع الطمأنينة بصورة أخرى. فهو أيضاً معلوم.
كل ما أشرت إليه وقلت «هذا أنا» وقف في جهة المعروف، لا في جهة العارف.
وحين ينتهي البحث، لا تجد ذاتاً صغيرة مختبئة خلف التجربة تمسك مفاتيح المعرفة. تجد معرفةً بلا حدود شخصية ظاهرة، وتجد الأشياء كلها واقفةً في نورها.
هذه اللحظة مخيفة إذا كنتَ تريد الاحتفاظ بنفسك كما تخيلتها. ومحررة إذا كنتَ مستعداً لأن تخسر الوهم ولا تخسر الحقيقة.
ما اكتشفته ليس أنك عدم.
اكتشفتَ أنك لم تكن قائماً بنفسك.
يقول الله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
الفقر هنا أعمق من الحاجة إلى رزق أو صحة. هو افتقارك في أصل وجودك وعلمك وقدرتك. أنت لا تستيقظ صباحاً ثم تقرر أن تمنح نفسك الوجود. ولا تصنع النور الذي به تعرف أنك استيقظت.
كل لحظة كنتَ فيها كانت عطاءً، لا ملكاً.
المعرفة أمانة
تخيّل غرفةً يدخلها ضوء النهار.
الغرفة مضاءة حقاً. لا ننكر النور فيها. لكن الضوء ليس ملكاً لها. لم تصنع الجدران الشمس، ولم تجمع النافذة أشعتها من ذاتها.
إذا أُغلقت النافذة، عادت الغرفة إلى عتمتها. وإذا هُدمت الغرفة، لم تهدم الشمس.
هكذا المعرفة فيك.
هي حاضرة في محلك، لكنها ليست قائمة بك استقلالاً. لم تجمعها من أجزائك، ولم تخلقها أفكارك. الفكر نفسه لا يعمل إلا بعد أن يُضاء.
وحين يقول القرآن عن خلق الإنسان:
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾
فلا نفهم «من» على أنها قطعة انفصلت من الله. تعالى الواحد عن التجزؤ. هذه إضافة تشريف ونسبة إمداد، تردّ سر الحياة والإدراك إلى الله، لا إلى الطين من حيث هو طين.
وما يُحمَل ولا يُملَك يسمى أمانة.
الأمانة الكبرى ليست أن تضع النور في خزانتك. أن تعرف أنه ليس لك، وأن تحفظ المحل من أن يدعي المصدر.
وردّ الأمانة لا يعني أن تفقد المعرفة.
يعني أن تردّ نسبتها إلى صاحبها.
المرآة التي لا تزيد العلم الأزلي
يقول أهل المعرفة إن الإنسان مرآة.
والمرآة صورة جميلة، لكنها تحتاج إلى الدقة حتى لا تنقلب إلى وهم.
الحق لا يحتاج إلى الإنسان ليعرف نفسه. علمه بذاته أزلي، لا يزداد بخلق العالم ولا ينقص بفنائه. لم يكن جاهلاً بصورة ثم عرفها حين ظهرت في آدم.
لكن ما هو معلوم أزلاً يظهر في مراتب الخلق، فتكون المرآة موضع تجلٍّ لا سبباً في اكتمال العلم الإلهي.
المرآة لا تخلق الوجه. ولا تضيف إليه ملامح. لكنها تجعل الصورة ظاهرةً في مرتبتها.
والإنسان، من حيث هو كون جامع، يحمل قابلية ظهور الأسماء فيه: يعلم بقدر، ويرحم بقدر، ويعفو بقدر، ويقدر بقدر. كل ذلك بحدوده البشرية، وافتقاره، وعبوديته.
فإذا عرفتَ في نفسك، فالمعرفة تظهر في مرآتك. لكن نورها ليس من زجاج المرآة.
من هنا نفهم السؤال: «أأنا أعرف ذاتي، أم هو يعرف ذاته؟»
السؤال يفترض عارفين مستقلين يتنازعان فعلاً واحداً. لكنك حين بحثت عن استقلالك لم تجده. وجدتَ محلاً تظهر فيه المعرفة، ووجدتَ أن أصل الوجود والعلم والإمداد لله.
لا يعني هذا أنك الله.
يعني أنك لست إلهاً صغيراً إلى جواره يحمل نصيباً مستقلاً من الوجود والمعرفة.
العبد عبد. والحق حق. لكن عبودية العبد لا تعني انفصاله الوجودي عن إمداد ربه لحظة واحدة.
وفي الحديث القدسي عن العبد المحبوب: «كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به».
حين يسمع، يقع السمع في محله. وحين يبصر، يقع البصر في عينه. لكنه لا يدعي أنه خلق النور والقدرة والفعل من نفسه.
هنا تصير الكلمة الصوفية المأثورة واضحة:
عرفتُ ربي بربي.
لا بعقل مستقل عنه. ولا بنفس قائمة دونه. عرفته بالنور الذي أمدني به، وبالوجه الذي توجه إليّ، وبسقوط دعوى أن المعرفة بدأت مني.
الوجه لا الإحاطة
هنا ينبغي أن نقف بأدب.
ما تجده في الصمت ليس إحاطةً بالذات الإلهية. الذات من حيث غيبها لا تصبح موضوعاً أمامك، ولا تدخل في تجربة تحدها البداية والنهاية.
الذي تلقاه هو وجهه المتوجه إليك.
يقول القرآن:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
ويقول:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
الوجه هو جهة الإقبال والتعريف والتجلي. هو ما به يستقبلك الحق في صورتك ووقتك واستعدادك. ولكل موجود وجه من ربه به يقوم، ووجه إلى نفسه منه تظهر دعوى الاستقلال.
فإذا رأيتَ افتقارك، فقد سقط شيء من وجهك إلى نفسك، وانفتح وجهك إلى ربك.
لم تُحط بالبحر.
انفتحت النافذة فقط.
والبحر أكبر من كل نافذة، لكن النافذة الصادقة لا تحتاج إلى أن تكون بحراً كي تدل عليه.
ولهذا لا تقل: «أنا هو» فتبتلع الفرق، ولا تقل: «أنا مستقل عنه» فتعبد الوهم. قل: أنا به، وله، وإليه. حقيقتي فقر، ووجودي عطاء، ومعرفتي أمانة.
الفناء ليس اختفاءً
يخاف الناس من كلمة الفناء لأنهم يسمعون فيها موتاً أو محواً للحياة.
لكن الفناء، في معناه الدقيق، ليس أن يصبح العالم لا شيء. هو أن يهلك ادعاؤه أنه شيء بنفسه.
الظل ظاهر. تستطيع أن تراه وتقيس امتداده. لكنه لا يقوم بنفسه. يحتاج إلى نور، وإلى تعين، وإلى سطح يظهر عليه. فإذا ادعى الظل أنه مصدر ظهوره، كان ادعاؤه هو الباطل، لا ظهوره.
هكذا أنت.
الفناء أن ترى أنك لم تكن موجوداً بنفسك ثم فقدت هذا الوجود. كنت موجوداً به من البداية، وسقط عنك وهم النسبة.
لم يذهب منك شيء حقيقي.
ذهب صاحب مزعوم كان يضع اسمه على كل عطية.
ثم يأتي الفناء عن الفناء. يسقط منك حتى شعورك بأنك بلغت مقام الفناء. لا تبقى نفس تقول: «انظروا، لم أعد أرى نفسي».
فإذا شهدتَ فناءك وافتخرتَ بالشهادة، بقي الشاهد.
وإذا سقط الشاهد، لم يبق من يكتب تقرير الوصول.
هذا لا يُصنع بالإرادة. يُهدى إليه بالصدق. وكل ما عليك أن تراه حين يظهر الادعاء، ثم لا تبنِ له بيتاً جديداً من المصطلحات.
ثم تفتح عينيك
ولا ينتهي الطريق في الغرفة الهادئة.
إذا فتحت عينيك وعدت إلى العالم كما كنت، فربما لم تر إلا نصف الحقيقة.
المعرفة التي عرفتها في الصمت هي نفسها التي تعرف صوت الطفل، ووجه أمك، وبرودة الماء، وضوء المساء. الأشياء لم تدخل من خارج المعرفة لتقطعها. ظهرت فيها، وعُرفت بها، وغابت وبقي باب الظهور مفتوحاً.
فلا تجعل الصور حجاباً بعد أن كانت دليلاً.
الشجرة أمام النافذة ليست الله، لكنها لا تقوم لحظةً بغيره. وجه الغريب ليس الذات الإلهية، لكنه آية لا تنتهي إلى نفسه. الألم ليس محبوباً لذاته، لكنه قد يفتح فيك اسماً من أسماء الله لم تعرفه في السعة.
كل شيء يقول بطريقته: لستُ قائماً بنفسي، فاعبر بي ولا تقف عندي.
لهذا يعود العارف إلى الناس أرقّ، لا أبرد. من رأى أن النور أمانة لا يتعالى على مرآة أخرى. ومن عرف أن معرفته ليست ملكه لا يحتقر جاهلاً. ومن رأى أن الوجود عطاء لا يعامل أحداً كأنه فائض عن الحاجة.
العودة إلى الناس امتحان الرؤية.
إذا جعلتك المعرفة أكثر محبةً وأقل ادعاءً، فقد بدأت تُعرف.
وإذا جعلتك أعلى صوتاً وأضيق قلباً، فقد استبدلت بالأنا القديمة أناً تتكلم بلسان العارفين.
◆
قبل أن تنام
خذ هذا السؤال معك الليلة.
حين تهدأ الأصوات، ويسترخي الجسد، وتخف حركة الفكر، اسأل بلا صوت:
من الذي يعرف الآن؟
لا تُجب.
كل جواب فكرة، والفكرة معلومة.
دع السؤال يمر فيك حتى يفرغ يدك من كل ما تمسكه. إذا ظهرت صورة لنفسك، اعرف أنها صورة. وإذا ظهر شعور بالشاهد، اعرف أنه أيضاً معلوم. وإذا جاء سكون جميل، لا تكتب عليه اسمك.
ثم قل، إن احتجت إلى كلمة:
يا رب، ما عرفتُك إلا بنورك، وما طلبتُك إلا بك، وما قمتُ لحظةً إلا بإمدادك. فردّ إليك ما توهمتُ أنه لي.
لا تنتظر حدثاً خارقاً.
قد لا ترى نوراً، ولا تسمع نداءً، ولا يغيب جسدك عنك. لكنك قد تستيقظ وفي قلبك نسبة صحيحة: المعرفة ليست مني، والوجود ليس لي، والقرب لم تصنعه خطواتي.
وسيأتي يوم يذوب فيه السؤال في مصدره. تعرف نفسك، فلا تجد فيها مالكاً للمعرفة. وتجد بدلاً منه فقراً مضيئاً، ومرآةً لا تدعي الوجه الذي ظهر فيها، ونافذةً سعيدة لأنها لم تعد تحاول أن تكون الشمس.
عندها لن تكون عبارة «عرفتُ ربي بربي» فكرةً تفهمها.
ستكون الطريقة الوحيدة التي أمكن أن تعرف بها أي شيء منذ البداية.
يكتب في الفلسفة والتصوّف واللاثنائية، ويقارن بين تعليم اللاثنائية المعاصرة ومذهب وحدة الوجود في المدرسة الأكبرية.
مقالات ذات صلة
من يعرف الله؟
في الصمت تسكت الأفكار ويتراجع الجسد، ثم تبقى معرفة عارية من موضوعها. فهل هذا هو الله؟ سؤال لا يُقتل بجواب سريع، بل يُسلك فيه بأدب، حتى تسقط دعوى العارف المنفصل.
بين «زهد الجاهل» و«طمع الغافل»
إذا كانت السعادة الحقيقية في الداخل فلماذا أعمل؟ بين زهد الجاهل وطمع الغافل ثمة مقام ثالث
ولادة من جديد
الذِّكر الحقيقي ليس أن تذكر الله بلسانك بل أن تكون حاضراً في حضرة الله وإن سكت لسانك