مقال تأملي

فَإِنِّي قَرِيبٌ

الدعاء: أملٌ في الغد، أم لقاءٌ في الآن؟

د. أحنف الجاجة
١٣ دقيقة قراءة

فَإِنِّي قَرِيبٌ

الدعاء: أملٌ في الغد، أم لقاءٌ في الآن؟

السؤال الذي يخافه الداعون

يرفع الإنسان يديه ويسأل. ثم يخطر له خاطر يحاول أن يطرده كأنه سوء أدب:

إن كان الله يعلم ما أريد قبل أن أقوله، وإن كان قد قضى ما سيكون، فماذا أفعل أنا حين أدعو؟ هل أخبره بما لا يعلم؟ هل أغيّر ما كُتب؟ أم أن الدعاء رجاء نطلقه في اتجاه الغد، ثم ننتظر؟

لا تطرد هذا الخاطر. هو ليس عدواً للدعاء، بل قد يكون باباً إلى دعاء أصدق.

لأنك إن مررت به حتى نهايته، لن تتوقف عن الدعاء. ستتوقف فقط عن معاملته كرسالة ترسلها إلى إله بعيد، لعلها تصل في الوقت المناسب. ستكتشف أن الدعاء لا يبدأ بما تطلبه، بل بمن حضرت بين يديه. وأن أول الإجابة لم تكن الشيء الذي تنتظره، بل القرب الذي وقع فيه انتظارك كله.

هذا ما أريد أن أمشيه معك.

لا إلى الغد.

إلى الآن الذي تقول فيه: يا رب.

انظر إلى الآية من جديد

اقرأها ببطء:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

كل ما سنقوله مطوي في ترتيبها.

حين يَرِد في القرآن سؤال إلى النبي ﷺ، يأتي الجواب غالباً بكلمة: «قل». يسألونك عن الأهلة، قل هي مواقيت. يسألونك ماذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خير. ويستفتونك، قل الله يفتيكم.

إلا هنا.

لم يقل: فقل لهم إني قريب.

جاء الجواب مباشرة:

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

كأن الواسطة اللغوية نفسها أُزيلت حين كان السؤال عنه. لا لأن مقام النبي ﷺ غاب، بل لأن معنى الآية يخلع من قلبك وهم المسافة. هذا الباب لا يحتاج إلى رسول بين قلبك وربك حين تناديه. فالذي أرسل الرسول هو نفسه الذي يقول لك الآن: إني قريب.

ثم لم يبدأ بوعد الشيء المطلوب. بدأ بالقرب.

لم يقل أولاً: فإني أستجيب لك. قال: فإني قريب، ثم قال: أجيب.

القرب هو الإجابة الأولى. والشيء الذي طلبته إجابة ثانية.

فمن دعا ولم ينل الصورة التي أرادها، لكنه وجد نفسه بين يدي الله، فقد نال من الدعاء جوهره. ومن نال الشيء وانصرف به عن القريب، فقد أمسك الصدفة وترك اللؤلؤة.

ثم تأمل قوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾.

لم يقل: إذا دعا فقط. قال: دعان، أي دعاني أنا.

فكم من دعاء لم يكن الله فيه إلا طريقاً إلى الشيء. وكم من شيء طلبناه حتى صار هو المقصود، وصار الله في قلوبنا وسيلةً إليه.

الآية تعيد ترتيب الوجهة: اطلب حاجتك، لكن لا تجعل حاجتك أكبر من الذي تطلبها منه.

ما الدعاء إذاً؟

قال النبي ﷺ:

«الدعاء هو العبادة»

لم يقل إن الدعاء ملحق بالعبادة. قال: هو العبادة. لأن العبادة في أصلها أن يقف الفقير أمام الغني فقيراً، وأن يعرف الممكن أنه لا يقوم بنفسه أمام الواجب الذي به قيام كل شيء.

وما الدعاء إلا هذا الفقر حين يجد صوتاً.

حين ترفع يديك، أنت لا تعلم الله شيئاً. لا تخبره بحاجة غابت عنه، ولا تستدر عطفاً لم يكن حاضراً. أنت تعلن بجسدك وصوتك ورجفة قلبك الحقيقة التي يحاول يومك كله أن ينسيك إياها:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

الدعاء هو الفقر وقد صار كلاماً.

ولهذا قال الله:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾

سمّى الإعراض عن الدعاء استكباراً عن العبادة. ليس لأن الله يحتاج إلى سؤالك، بل لأن النفس التي تأبى السؤال قد تتوهم أنها تحمل أمرها وحدها.

فأنت حين تدعو لا تنتظر شيئاً فقط. تعود إلى موضعك الصحيح في الوجود.

تعود فقيراً، بين يدي الغني.

والفقر هنا ليس هواناً. هو أعظم راحة. لأنك تكف أخيراً عن حمل الكون على كتفيك، وعن تمثيل دور الإله الصغير الذي يجب أن يعرف ويضبط ويضمن كل شيء.

الدعاء ليس رسالة ترسلها إلى الغد.

الدعاء أن تسقط الآن من وهم الغنى.

الوجود كله يسأل

وهنا يفتح الشيخ الأكبر باباً يدهش العقل قبل أن يسكنه.

يقول الله:

﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

ليس المؤمن وحده يسأل. كل ممكن يسأل في كل لحظة بلسان حاله، وإن لم ينطق بلسان مقاله.

الشجرة تسأل الماء بجذورها، والجذر لا يتكلم. الجنين يسأل الحياة بكل خلية فيه، ولا يعرف كلمة. الجسد يسأل الهواء باتساع رئتيه. وكل موجود ممكن يسأل الإمداد في كل آن، لأنه لا يملك من ذاته وجوداً يبقيه للحظة التالية.

حتى الحجر، في سكونه، فقير إلى من يبقيه حجراً.

وفي اصطلاح أهل المعرفة، للأسماء الإلهية نسب وآثار تطلب الظهور في القوابل: لا يُعرف أثر «الرحمن» إلا في مرحوم، ولا أثر «الغفور» إلا حيث تظهر المغفرة، ولا أثر «الرزاق» إلا في مرزوق. ليس معنى ذلك أن الأسماء كانت ناقصة ثم أكملها الخلق، فالله غني عن العالمين. المعنى أن ما هو معلوم أزلاً يظهر أثره في مراتب الخلق، فيكون الكون كله مسرح افتقار وإمداد، سؤال وإجابة.

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

كل لحظة تعيّن جديد. سؤال جديد. عطاء لا يكرر نفسه بالصورة نفسها.

فأنت حين تدعو لا تفعل شيئاً غريباً عن الوجود. أنت تنطق بما يقوله كل شيء بصمته.

الفرق أن الشجرة تسأل الماء ولا تعرف من تسأل، وأنت تستطيع أن تعرف وجهتك.

وهذه المعرفة هي شرف الإنسان وخطره معاً.

من الذي وضع الدعاء على لسانك؟

ثم يأتي السر الذي إذا فهمه القلب سجد.

قال ابن عطاء الله في حكمه:

«إذا أعطاك، أشهدك بره، وإذا منعك، أشهدك قهره، فهو في كل ذلك متعرّف إليك، ومقبل بوجود لطفه عليك»

وقال في معنى آخر:

«لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد»

تأمل في أصل الدعاء قبل نتيجته.

من الذي أيقظ الحاجة في قلبك؟ من الذي عرّفك اسمه؟ من الذي ألهم لسانك أن يقول «يا رب»؟

لسنا نقول إن كل ما خطر لك وعد حتمي بأن تنال الصورة التي تخيلتها. فقد تدعو بما لا يصلح لك، أو بما يصلح في وقت غير وقتك، أو بما يكون صرفه عنك عين الرحمة.

لكن نفس توجهك إلى الله عطاء سابق على العطاء الذي تنتظره.

أن تُرد إليه نعمة.

أن تعرف بابك نعمة.

أن ينكسر فيك وهم الاستقلال نعمة.

ومن هنا يسقط السؤال: هل أغيّر قضاء الله بدعائي؟

الدعاء ليس قوة دخلت من خارج القضاء لتعدّل ما غفل عنه. الدعاء نفسه من القضاء. قدّر الله السبب والمسبب، والطلب والعطاء، والوقت والاسم والرجفة التي قامت في صدرك.

أنت لا تطرق باباً مغلقاً لتقنع صاحبه أن يفتحه.

أنت تطرق لأن نداءً خفياً ردّك إلى الباب.

لا تجعل القضاء حجةً على الصمت

لكن انتبه. القول إن الدعاء من القضاء لا يعني أن تسكت وتقول: ما قُدر سيأتي.

جوعك من القضاء، وأكلك من القضاء. مرضك من القضاء، وذهابك إلى الطبيب من القضاء. خوفك من القضاء، ودعاؤك من القضاء.

من احتج بالقدر على ترك الدعاء، فلماذا لا يحتج به على ترك الطعام؟

الدعاء سبب من الأسباب التي أمر الله بها، لكنه سبب يكشف لك في اللحظة نفسها أن الأسباب لا تعمل استقلالاً.

تدعو لأنك عبد مأمور بالدعاء، لا لأنك مدير خفي للقدر.

وتسأل لأن الله قال: ﴿ادْعُونِي﴾، لا لأن علمه يحتاج إلى تقريرك.

هذا الجمع هو الأدب: تعمل بالسبب بكلك، ولا تعبد السبب لحظة واحدة.

الداعون طبقات

والناس في الدعاء أحوال، وكل حال له صدقه وآفته.

منهم من يسأل لأنه مضطر. يصرخ كما يصرخ من يغرق. وهذا الدعاء شديد الصدق، لأن الاضطرار يحرق كثيراً من الزينة التي تصنعها النفس حول نفسها.

قال الله:

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾

في لحظة الاضطرار يصير الإنسان كله سؤالاً. لا يعود عنده وقت لتجميل العبارة ولا لبناء صورة العارف.

ومنهم من يسأل امتثالاً وأدباً. يعلم أن الله يعرف حاجته، لكنه يسأل لأن سيده قال له: اسألني. فيكون الدعاء عنده طاعة قبل أن يكون طلباً.

ومنهم من يسكت استسلاماً. لا لأنه استغنى، بل لأنه غلب عليه شهود اختيار الله له. يقول: أنت أعلم بي مني.

وهذا مقام دقيق، لكن النفس تستطيع أن تتخفى فيه. قد تسمي الكسل توكلاً، وتسمي الكبر صمتاً، وتسمي اليأس رضا.

فإن لم تكن صامتاً بالله، فلا تصمت عن الله.

اسأل كالطفل. الطفل الذي يطلب من أمه لا ينتقص من علمها بحاجته، بل يعلن ثقته بأن صدرها موضع أمانه.

ومنهم من يجمع بين السؤال والرضا. يسأل بلسانه ما يحتاج، ويسأل بقلبه أن يُعطى ما يختاره الله له، لا ما يختاره هو لنفسه. يكون لسانه في الطلب، وقلبه في التسليم.

هذا لا يلغي الرغبة.

يطهرها فقط من دعوى أنها تعرف المصلحة كلها.

فادعوه بها

يقول الله:

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

هذه الآية مفتاح دعاء يبدل القلب قبل أن يبدل الحال.

نحن غالباً ندعو بالأشياء: أريد وظيفة. أريد شفاء. أريد ولداً. أريد فرجاً.

ولا خطأ في أن تسأل الشيء باسمه. لكن القرآن يعلمك أن تعبر من الشيء إلى الاسم.

الوظيفة صورة من رزق الرزاق. والشفاء صورة من لطف الشافي. والولد هبة من الوهاب. والستر أثر من الستير.

حين تتعلق بصورة واحدة، قد تضيق رحمة الله عندك حتى لا تراها إلا فيها. فإذا لم تأت الصورة، ظننت أن الرحمة لم تأت.

أما حين تدعو بالاسم، فأنت تضع حاجتك في سعة المصدر.

تقول: يا رزاق، ارزقني بما تعلم أنه يصلحني. يا شافي، أنزل عليّ من شفائك ما يردني إليك، أكان شفاءً في الجسد أم قوةً في القلب أم باباً من الحكمة. يا لطيف، الطف بي في الصورة التي أعرفها وفي الصورة التي لا أعرفها.

لا يعني هذا أن تتوقف عن التحديد. يمكنك أن تقول حاجتك كلها. لكن لا تحبس الاسم في الصورة التي اخترتها.

الدعاء بالاسم ليس تعويذة تكررها حتى تحصل على الشيء.

هو أن تدخل تحت الاسم.

أن تقول «يا غفور» وأنت تفتح موضع الذنب للمغفرة، لا وأنت تحرسه بالكبرياء. أن تقول «يا رزاق» وأنت تتخلى عن عبادة المصدر الذي تخيلته وحيداً للرزق. أن تقول «يا رحمن» ثم تسمح للرحمة أن تمر منك إلى غيرك.

تتوجه المرآة إلى النور، فيظهر فيها من أثره بقدر صفائها.

كيف دعا الأنبياء؟

انظر إلى دعاء أيوب عليه السلام حين مسه الضر:

﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

عرض حاله، ثم أثنى باسم الرحمة. لم يكتب للرحمة شكل عملها.

وانظر إلى يونس عليه السلام في الظلمات:

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

توحيد، وتنزيه، واعتراف. لم يقل: أخرجني. لكن فقره كله صار سؤالاً، فجاء الجواب:

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

وانظر إلى موسى عليه السلام حين خرج خائفاً وحيداً:

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

لم يحدد صورة الخير. قال: أنا فقير إلى كل ما تنزله من خير. ففتح الله له من حيث لم يكتب خطته.

وانظر إلى زكريا عليه السلام:

﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾

عرض ضعفه بين يدي من يعرفه، وذكر تاريخ الأنس قبل أن يذكر حاجته. كأنه يقول: لم يكن دعائي لك شقاءً قط، لأن وجودي ببابك كان العطاء قبل كل عطاء.

هذا هو الدعاء الصادق: أن تقول حالك بلا تجميل، وتنادي بالاسم الذي يناسب فقرك، ثم تترك لله سعة الجواب.

الذي يتكلم إلى الحبيب لا يقدم إليه تقريراً تقنياً عن حاجته.

يقول: هذا أنا.

وأنت أنت.

والباقي يعرفه الحبيب.

وإن لم يأت ما طلبت

هنا ينكشف الفرق بين من دعا الله، ومن دعا الشيء باسم الله.

من دعا الشيء وحده، انتهى دعاؤه حين تأخر الشيء. ومن دعا الله، بقي الباب مفتوحاً في العطاء والمنع والتأخير.

قال ابن عطاء الله:

«لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد»

وقال:

«متى أعطاك أشهدك بره، ومتى منعك أشهدك قهره، فهو في كل ذلك متعرّف إليك»

متعرّف إليك.

هذه هي الكلمة.

في العطاء تعرف الكريم. وفي المنع قد تعرف الحكيم. وفي التأخير تعرف الصبور، ثم تكتشف فيك صبراً لم تكن تعرفه. وفي الصرف عن الشيء قد ترى بعد سنوات أن الرحمة جاءت متخفية في صورة الحرمان.

لا يعني هذا أن كل ألم يسهل فهمه، ولا أن الإنسان مطالب بأن يبتسم لكل فقد. قد تبكي، وتحتج بضعفك، وتعيد الدعاء كل ليلة. الرضا ليس إنكاراً للوجع.

الرضا ألا تجعل تأخر الصورة دليلاً على غياب القريب.

وفي الحديث أن دعاء المسلم الذي لا إثم فيه ولا قطيعة رحم لا يضيع: إما أن يعجل له، أو يدخر له، أو يصرف عنه من السوء مثله.

فكم من دعاء حسبته ذهب في الهواء، وكان جداراً بينك وبين شيء لم تره.

وكم من باب أغلقته السماء لأن قلبك كان سيدخله ويضيع.

وكم من تأخير صنع منك الإنسان القادر على حمل العطاء حين جاء.

أنت لا تعرف كل صور الإجابة.

لكنك تعرف الجواب الأول:

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

حيث يصمت اللسان

وفي آخر الطريق يحدث شيء لا يوصف إلا بالإشارة.

الذي يدعو طويلاً بصدق قد يجد يوماً أن الكلمات تسقط من يده. لا لأنه ملّ الدعاء، بل لأن القرب صار أبلغ من العبارة.

تبقى اليدان مرفوعتين، ولا يخرج صوت.

ولا يكون الصمت فراغاً. يجري الدعاء فيه كما يجري النفَس. يصير الجسد كله طلباً، والقلب كله استقبالاً.

هذا هو دعاء الحال. واللسان قد يصف حالاً لا يعيشها، أما الحال الصادق فلا يحتاج إلى زخرفة.

لكن لا تطلب هذا الصمت ولا تقلده.

اسأل بكل كلماتك ودموعك وحاجاتك الصغيرة والكبيرة. أعد الطلب إن احتجت. سمِّ الشيء الذي يؤلمك. قل: اشفني. ارزقني. احفظ ولدي. ردّ غائبي. افتح لي.

لا تتصنع مقاماً أعلى من قلبك.

اسأل حتى تذوب الكلمات وحدها.

من صمت قبل أن يُصمته الدعاء، فقد يصمت عن الله. ومن صمت لأن الدعاء أخذه إلى القرب، فقد صار صمته دعاءً.

أنت تسأل: هل الدعاء أمل في الغد؟

الجواب: قد يحمل الدعاء أملاً في الغد، لكنه لا ينتظر الغد كي يجيب قلبك.

أعظم ما فيه حاصل الآن: أنك وُجهت إليه، وأنه قال إنه قريب.

أما الشيء، فيأتي أو لا يأتي، وفي الحالين يمكن أن يتعرّف إليك.

حين ترفع يديك

خذ هذا معك في دعائك الآتي.

قبل أن تقول ما تريد، قف لحظة واسأل بلا صوت:

من الذي أيقظ هذا الطلب في قلبي؟

ثم قل حالك كما هو، في جملة واحدة، بلا تجميل:

يا رب، أنا خائف.

أو:

يا رب، أنا فقير.

أو:

يا رب، مسني الضر.

ثم ناد بالاسم الذي يناسب حالك:

يا رزاق. يا شافي. يا غفور. يا لطيف.

امكث في الاسم قليلاً كما تمكث المرآة أمام الشمس. لا تستعجله إلى الشيء. دع الاسم يعيد ترتيبك أولاً.

ثم اطلب حاجتك بوضوح. لا تخجل من ضعفك، ولا تتظاهر بأنك تجاوزت الطلب. وبعد أن تطلب، افتح في قلبك مكاناً لاختيار الله، لا لأنك لا تريد، بل لأنك لا تعلم كل وجوه الرحمة.

وحين تنزل يديك، لا تجعل قلبك معلقاً بين الأرض والسماء كأن الدعاء لم يبدأ بعد.

شيء من الإجابة وقع قبل أن تنزلهما: كنتَ قريباً ممن قال إنه قريب.

وما بقي فهو في علم أعلم بك منك. سيأتي في وقته وصورته، أو يُصرف عنك، أو يدخر لك. وقد تعرف يوماً لماذا كان التأخير تعريفاً، ولماذا كان المنع عطاءً بوجه لم تستطع رؤيته ساعة الدعاء.

ارفع يديك إذاً بكل ما فيك.

لكن لا ترفع حاجتك وحدها.

ارفع معها وهم المسافة.

ثم اسمع الجواب الذي سبق سؤالك:

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

أعجبك؟ شاركه مع من يهمّه.

د. أحنف الجاجة
د. أحنف الجاجةباحث دكتوراه في الفلسفة

محبٌّ للحقيقة | أشاركك الطريق المباشر للبهجة والسعادة الأبدية | الحقيقة • الحب • الجمال

التعليقات

مقالات ذات صلة

مقال تأملي

ما الذي يتغيّر في الخُلق حين تنكشف دعوى «الأنا»؟ رحلة من صورة الأخلاق كحرب على النفس إلى صورتها كانعكاس، حيث تصير الرحمة لوناً لا ثوباً يُلبس ويُخلع.

د. أحنف الجاجة١٠ دقيقة قراءة
مقال تأملي

دعوة إلى الالتفات، لا إلى فكرة جديدة عن الله: أن تنظر في الجهة التي كنتَ تنظر منها دائماً. فبأي نور بحثتَ عنه؟ وبأي معرفة سألت؟ ومن الذي يعرف حين تقول: أنا أعرف؟

د. أحنف الجاجة٩ دقيقة قراءة
مقال تأملي

في الصمت تسكت الأفكار ويتراجع الجسد، ثم تبقى معرفة عارية من موضوعها. فهل هذا هو الله؟ سؤال لا يُقتل بجواب سريع، بل يُسلك فيه بأدب، حتى تسقط دعوى العارف المنفصل.

د. أحنف الجاجة٨ دقيقة قراءة