ما الإنسان؟
في أن السؤال هو الباب
ليس السؤال "ما الإنسان؟" سؤالاً من أسئلة العلم التي تنتظر جواباً يُغلقها. إنه سؤال من جنس الوجود نفسه: كلما أجبتَ عنه انفتح لك باب لم تكن تراه. وهذا هو الفرق بين سؤال يُطرح على شيء وسؤال يُطرح من داخل الشيء على نفسه. فالإنسان هو السائل والمسؤول عنه في آنٍ واحد، وهذا الجمع بين الطرفين هو أول إشارة إلى حقيقته.
من سأل "ما الحجر؟" فقد وقف خارج الحجر ونظر إليه. ومن سأل "ما الإنسان؟" فقد وقف في قلب السؤال ذاته، لأنه لا يستطيع أن يخرج من إنسانيته ليراها من بعيد. وهذا العجز عن الخروج ليس نقصاً، بل هو عين الكمال: فالذي لا يُحاط به من خارج هو الذي لا حدّ له، والذي لا حدّ له هو المرآة التي تسع كل شيء.
في أن الإنسان ليس شيئاً بين الأشياء
حين تقول "الإنسان حيوان ناطق" فقد أخبرتَ عن رسمه لا عن حقيقته. الرسم يصف الحدود، والحقيقة لا حدّ لها. فالإنسان ليس جسماً يحمل عقلاً، ولا عقلاً يسكن جسماً. هو شيء ثالث لا اسم له في لغة الأشياء.
تأمّل: كل موجود في العالم له ماهية تسبقه. الشجرة شجرة قبل أن توجد هذه الشجرة بعينها. والحجر حجر قبل أن يوجد هذا الحجر بعينه. أما الإنسان فوجوده يسبق ماهيته بمعنى دقيق: هو لا يصير إنساناً بالتعريف بل بالسلوك، ولا يكتمل بالولادة بل بالمعرفة. فمن لم يعرف نفسه لم يكن إنساناً إلا بالقوة لا بالفعل.
في المرآة والوجه
الوجود كله وجه واحد، والإنسان مرآته. لكن المرآة ليست شيئاً مضافاً إلى الوجه، بل هي الموضع الذي يرى فيه الوجهُ نفسَه. فلولا المرآة لكان الوجه موجوداً لكنه غير معلوم لذاته. والعلم هنا ليس زيادة على الوجود بل هو كمال الوجود.
تابِع القراءة
أنشئ حساباً مجانياً لقراءة «ما الإنسان؟» كاملاً، ولتصل إلى بقيّة المقالات والدروس.
لديك حساب بالفعل؟
يكتب في الفلسفة والتصوّف واللاثنائية، ويقارن بين تعليم اللاثنائية المعاصرة ومذهب وحدة الوجود في المدرسة الأكبرية.
مقالات ذات صلة
تأمّل موسى والخضر في داخلك
بين موسى الذي يسأل والخضر الذي يعلم ما لا نراه، تنفتح مسافةٌ في القلب: ماذا لو كان أكثر ألمنا آتياً من قصةٍ نكتبها حول الحدث، لا من الحدث نفسه؟
قِلادة في سوق الصَّاغة
قلادةٌ تسأل عن سرّ بريقها وعتمتها، فتُدلّ على الصقل لا على الجواب. وحين ينكشف الغطاء لا تجد قلادةً أصلاً، بل ذهباً خاماً واحداً تتقلّب فيه كل الصور، وسرّاً لا تحمله العبارة إلا مكسورة.
الكون ينتظرك أن تصحو
حين يستيقظ الإنسان يستيقظ الوجود. في رسالة بولس إلى أهل رومية نقرأ: "لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله." والقرآن يقول: "إني جاعل في الأرض خليفة." ما العلاقة بين الصحو والخلافة؟