تأمل مكتوب

قِلادة في سوق الصَّاغة

حكاية رمزية في بحثي عن ذاتي

د. أحنف الجاجة
٤ دقيقة قراءة

كنتُ أظنّ نفسي

قِلادة في سوق الصَّاغة

حكاية رمزية في: بحثي عن ذاتي

د. أحنف الجاجة

المقام الأول: بلسان العبد الباحث

كنتُ أظنّ نفسي قلادةً.

قلادةً معلّقةً في سوق الوجود، لها شكلٌ وحدود، تُقارَن بغيرها من القلائد: هذه أبرقُ مني، وتلك أقلّ لمعاناً. وكنتُ أسأل الأسئلة التي تسألها كل قلادة: لماذا صيغَ بعضنا ذهباً وبعضنا نحاساً؟ لماذا يلمع ذاك وأصدأ أنا؟ من المسؤول عن بريقي وعن عتمتي؟ وكاد هذا السؤال أن يودي بي، لأنني كنتُ أبحث عن عدلٍ بين القلائد، ولا أجد جواباً يُريح.

ثم قيل لي، وأنا في حيرتي: لا تسأل الآن عن سرّ الصنعة، بل اعمل. اصقُل ما بين يديك، واسمع كلام الصائغ الذي بلغك عبر أصفى القلائد وأنصعها، والذي يسمونه نبي ورسول، وأطِعه. فإن أطعتَ، ازداد بريقك من حيث لا تدري، وتحسّن معدنك من حيث لا تفهم، حتى يأتيك اليقين.

فسمعتُ تلك القلادة اللامعة المتوهجة وأطعتها. وكنتُ أحسب أنني أنا الذي أصقل نفسي، وأنا الذي يجتهد ويتحسّن. وما كنتُ أعلم أن الصقل نفسه لم يكن من عندي.

وذات ليلة، وأنا في أشدّ الصقل، انكشف لي أمرٌ أطاح بكل أسئلتي.

نظرتُ في نفسي أبحث عن «القلادة» التي كنتُها، فلم أجد قلادةً أصلاً. وجدتُ ذهباً.

ليس ذهباً على شكل قلادة فحسب، بل الذهبُ الخام نفسه، الذي منه صيغت كل قلادةٍ في السوق كله. الشكل الذي كنتُ أحسبه «أنا»، بحدوده وبريقه ونقصه، لم يكن إلا صورةً عابرة يظهر بها الخام، كما يظهر الموج في البحر: للموج اسمٌ ورسمٌ وحركة، وما في البحر إلا ماء.

فسقط سؤالي الأول من أصله. لم أعد أسأل «لماذا صيغ بعضنا ذهباً وبعضنا نحاساً؟»، لأنني رأيتُ أن التفاوت بين القلائد لم يكن تفاوتاً في العدل، بل تفاوتاً في درجة ظهور الخام الواحد في كل صورة. وما من قلادةٍ ظُلمت، لأنه ما من قلادةٍ لها عينٌ مستقلة تُظلَم أصلاً.

وحين بلغتُ هذا، لم أشعر بكِبرٍ على القلائد التي ما زالت تحسب نفسها قلائد. بل امتلأ قلبي رحمةً لها وتواضعاً، لأنني كنتُ مكانها بالأمس، ولأن الذي انكشف لي لم يكن من كسبي، ولأنها هي أيضاً ذلك الخام نفسه، وإن لم تعلم بعد.

المقام الثاني: وهنا تكلّمت الحقيقة

ولما فني السؤال والسائل، سمعتُ الحقيقة تنطق، لا من خارجي ولا من داخلي، بل من حيث لا خارج ولا داخل:

أنا الخامُ الذي تشكّلت مني كل القلائد، وبي تظهر، وبنوري تلمع. الصور التي تتقلّب في السوق صورٌ لأصولٍ مكنونةٍ في علم الصائغ، لم تخرج تلك الأصول إلى الوجود قط ولن تخرج، لأنها ذات علمه، وعلمه ذاته. وما ظهر في السوق ليس الأصول، بل صورها، وأنا مُظهِرها.

التكليف والطاعة والمعصية، والصقل والصدأ، كلها أطوارُ ظهوري في الصور. تحسب القلادةُ في أول أمرها أنها هي التي تُطيع وتعصي وتجتهد وتتحسّن، وهذا الحسبان نفسه من أطوار الظهور، لا خطأً يُلام عليه أحد، بل هو الطريق الذي لا بد منه. فإذا اكتمل الصقل، عرفت القلادة أنها لم تكن يوماً شيئاً مستقلاً عن الخام، وأن معرفتها بحقيقتها لم تكن كسبَها، بل كانت ظهوري فيها بالمعرفة.

ومن ظهرتُ فيه بهذه المعرفة، لا يزداد إلا عبوديةً. فما دام له في دار الصور جسدٌ وعقلٌ ولسان، فهو جارٍ على قوانين هذه الدار: يعبد ويذكر ويسأل ويفتقر، لا تكلّفاً ولا تمثيلاً، بل لأن العبودية هي صورة المعرفة في هذه الدار، وكمالُ الظهور فيها كمالُ العبودية.

المقام الثالث: وعاد العبد فقال

ثم رُدِدتُ إلى نفسي، وعدتُ أرى الشكل والحدود، وأمشي في السوق كما يمشي الناس.

لكنني عدتُ وأنا أعلم ما لم أكن أعلم: أنني لستُ القلادة التي كنتُ أظن، ولستُ الصائغَ الذي كنتُ أبحث عنه بعيداً. أنا مظهرٌ من مظاهر نوره، لا عينَ لي دونه، ولا أنا هو.

لا أنا سواه، ولستُ هو.

هذا هو السرّ الذي لا تحمله العبارة إلا مكسورةً هكذا، بنفيَين لا يجتمعان في منطق السوق، ويجتمعان في الذوق: فمن قال «أنا هو» وحدها فقد ادّعى، ومن قال «أنا غيره» وحدها فقد حُجب. والعارف يمشي بين النفيَين، عبداً في الظاهر، لا شيءَ بذاته في الباطن، والنور واحدٌ لا يتعدد.

فإذا لقيتُ اليوم قلادةً تسأل بحرقةٍ كما كنتُ أسأل: «لماذا أنا هكذا؟ ومن المسؤول عن عتمتي؟»، لا أقول لها «سؤالك باطل»، ولا أُثقلها بما لم تبلغه. أقول لها ما قيل لي يوم كنتُ مكانها: اصقُلي ما بين يديك، واسمعي وأطيعي، فإن البريق يزداد من حيث لا تدرين. وأحملها في قلبي برحمةٍ، لأني أعلم ما لا تعلمه بعد: أنها ليست ناقصةً تسعى إلى كمالٍ بعيد، بل هي الخامُ نفسه، يقترب من معرفة نفسه.

والسلام أقرب.

أعجبك؟ شاركه مع من يهمّه.

د. أحنف الجاجة
د. أحنف الجاجةباحث في الفلسفة والتصوّف المقارن

يكتب في الفلسفة والتصوّف واللاثنائية، ويقارن بين تعليم اللاثنائية المعاصرة ومذهب وحدة الوجود في المدرسة الأكبرية.

مقالات ذات صلة

تأمل مكتوب

بين موسى الذي يسأل والخضر الذي يعلم ما لا نراه، تنفتح مسافةٌ في القلب: ماذا لو كان أكثر ألمنا آتياً من قصةٍ نكتبها حول الحدث، لا من الحدث نفسه؟

د. أحنف الجاجة١٤ دقيقة قراءة
تأمل مكتوب

حين يستيقظ الإنسان يستيقظ الوجود. في رسالة بولس إلى أهل رومية نقرأ: "لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله." والقرآن يقول: "إني جاعل في الأرض خليفة." ما العلاقة بين الصحو والخلافة؟

د. أحنف الجاجة٩ دقيقة قراءة
تأمل مكتوب

آدم ليس مجرد محطة زمنية عبرناها، بل هو المبدأ الذي لا نزال نعيش فيه. هو نقطة البدء لا في الزمان فحسب، بل في الوجود. هو اللحظة التي التقى فيها الطين الكثيف بالنفخة العلوية، فصار بينهما برزخ يجمع النقيضين.

د. أحنف الجاجة٣ دقيقة قراءة