كيف أنمي الحدس
بروتوكول الترقّي المعرفي والروحي نحو واهب الصور عند ابن سينا
مقدمة: إشكالية الاتصال بالعقل الفعّال
تحتلّ مسألة "الاتصال بالعقل الفعّال" مكانة مركزية في الفلسفة الإسلامية عامة، وفي النسق الفلسفي للشيخ الرئيس أبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا (370هـ - 428هـ) خاصة. فهذه المسألة ليست مبحثاً نظرياً مجرداً في الإبستمولوجيا والأنطولوجيا فحسب، بل هي السؤال الوجودي الأعمق الذي يطرحه الإنسان على نفسه: كيف أعرف؟ وما غاية معرفتي؟ وهل ثمة طريق يوصلني إلى الحقيقة المطلقة؟
إن العقل الفعّال في المنظومة السينوية ليس مجرد مفهوم فلسفي بارد، بل هو الجسر الأنطولوجي والمعرفي الذي يصل بين عالم المادة المتغير وعالم المعقولات الثابت، بين ظلمات الجهل ونور المعرفة، بين شقاء الانفصال وسعادة الاتصال. وقد سعى ابن سينا طوال حياته الفلسفية إلى الإجابة عن سؤال جوهري: هل يمكن للإنسان أن يتصل بهذا المبدأ الكوني العلوي؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فما الشروط والمراحل والبروتوكول العملي الذي يوصل إلى هذا الاتصال؟
يهدف هذا البحث إلى استقصاء نظرية الاتصال بالعقل الفعّال عند ابن سينا استقصاءً شاملاً، يجمع بين التحليل الفلسفي الدقيق والبُعد الروحي العرفاني، مستنداً إلى نصوص ابن سينا الأصلية في كتبه الكبرى: الشفاء، والنجاة، والإشارات والتنبيهات. كما يسعى البحث إلى الإجابة عن السؤال العملي: كيف أنمّي الحدس؟
المحوري: هل وضع ابن سينا بروتوكولاً واضحاً ومتكاملاً للاتصال بالعقل الفعّال؟
المبحث الأول: العقل الفعّال في المنظومة السينوية
واهب الصور والعقل العاشر
يحتلّ العقل الفعّال موقعاً فريداً في نظام الفيض الكوني عند ابن سينا. فانطلاقاً من القاعدة الفلسفية "الواحد لا يصدر عنه إلا واحد"، يرى ابن سينا أن الله (واجب الوجود) يصدر عنه العقل الأول، ومن خلال عملية تعقّل متسلسلة يفيض عن كل عقل عقلٌ آخر ونفسٌ فلكية وجرمٌ فلكي، حتى نصل إلى العقل العاشر والأخير في هذه السلسلة، وهو "العقل الفعّال".
تابِع القراءة
أنشئ حساباً مجانياً لقراءة «كيف أنمي الحدس» كاملاً، ولتصل إلى بقيّة المقالات والدروس.
لديك حساب بالفعل؟
يكتب في الفلسفة والتصوّف واللاثنائية، ويقارن بين تعليم اللاثنائية المعاصرة ومذهب وحدة الوجود في المدرسة الأكبرية.
مقالات ذات صلة
برهان الصدّيقين
دراسة مفصلة في برهان الصديقين من تقرير ابن سينا إلى تقرير صدر المتألهين، مع النصوص الأصلية والأسس القرآنية
«الوعي الواحد» و«وحدة الوجود»
دراسة نصية مقارنة بين تعليم «اللاثنائية» المعاصرة عند روبرت سبيرا وفرانسيس لوسيل ومذهب «وحدة الوجود» في المدرسة الأكبرية. تثبت الدراسة أن الصلة بين التعليمين معلنة من الطرف الغربي نفسه، وتوثق أربعة أركان للتقابل وثلاثة مواضع افتراق.
النفس الإنسانية عند الغزالي
دراسة تحليلية في ضوء كتاب "معارج القدس في مدارج معرفة النفس" للإمام الغزالي. تتناول ماهية النفس وأسماءها، وقواها ومراتبها، وعلاقتها بالبدن، وطريق كمالها وسعادتها.