العالمُ صورة، وأنتَ روحُها
محتويات المقال1/2
نظرتان لا ثالثة لهما
لم يكن البشر في تاريخهم كلّه أكثرَ اتصالًا مما نحن اليوم. مليارات الأجهزة تتحدث بعضها إلى بعض في كل ثانية، ورسالتك تصل إلى الطرف الآخر من الأرض قبل أن تضع كوبَ قهوتك. ومع ذلك، لم يشكُ البشر من الوحدة كما يشكون اليوم. متصلون بكل شيء، منفصلون عن كل أحد. فأين الخلل؟
الخلل ليس في الشبكة، بل في النظرة. وهذا بالضبط ما كان العارفون يقولونه قبل ثمانية قرون، بلغةٍ لو أصغينا إليها اليوم لوجدناها تصف حياتنا الرقمية بدقةٍ مدهشة.
كتب أبو حامد الغزالي في «مشكاة الأنوار» جملةً واحدة تكاد تختصر المسألة كلها:
«ولكلِّ شيءٍ وجهان: وجهٌ إلى نفسِه، ووجهٌ إلى ربِّه؛ فهو باعتبار وجهِ نفسِه عَدَمٌ، وباعتبار وجهِ اللهِ تعالى موجودٌ»الغزالي، مشكاة الأنوار، ص ٣٦
لك وجهان. إن نظرتَ إلى نفسك من أسفل، من جهة حدودك ومقارناتك وأرقام متابعيك ورصيدك، رأيتَ كائنًا صغيرًا منفصلًا يصارع وحده، وهذه هي النظرة التي تُنتج القلقَ الذي نسميه اليوم «ضغط الحياة». وإن نظرتَ إلى نفسك من أعلى، من جهة الأصل الذي منه جئتَ، رأيتَ شيئًا آخر تمامًا: رأيتَ أنك لم تكن يومًا وحدك، ولا يمكن أن تكون.
مَثَلُ الموج
تأمّل موجةً في محيط. لها شكلٌ وحدود وقامةٌ واسم؛ تولد وتعلو وتنكسر على الشاطئ. فإن سألتَ الموجة: من أنتِ؟ فنظرت إلى حدودها قالت: أنا هذا الشكل الصغير الفاني، وبدأ خوفُها من الانكسار. وإن نظرت إلى جوهرها قالت: أنا ماء، والمحيط كلُّه ورائي. الموجةُ لا «تتصل» بالمحيط، هي لم تنفصل عنه أصلًا حتى تحتاج إلى اتصال.
تابِع القراءة
أنشئ حساباً مجانياً لقراءة «العالمُ صورة، وأنتَ روحُها» كاملاً، ولتصل إلى بقيّة المقالات والدروس.
لديك حساب بالفعل؟
يكتب في الفلسفة والتصوّف واللاثنائية، ويقارن بين تعليم اللاثنائية المعاصرة ومذهب وحدة الوجود في المدرسة الأكبرية.
مقالات ذات صلة
لا سباق مع الزمن
حين تسمع أن الخلق يتجدد مع كل نفَس وأن هذا النفَس لن يعود، يقفز العقل إلى نتيجة خاطئة: إذن أنا في سباق. لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا
تجدد الخلق والتشافي التام
ماذا لو كان كلّ ما تحسبه قديماً فيك ليس إلا وهم استمرار، بينما الحقيقة أنك تُخلق من جديد مع كل نفَس؟ مفتاح التشافي التام: لأنك لا تُرمّم جسداً عتيقاً، بل توجّه خلقاً جديداً يُصبّ الآن.